تيسير بركات الرسام الذي يقاوم بالجمال

 تيسير بركات لا يراكم طبقات المعنى، يلذ له أن يستعرض الوقائع التي عاشها كما لو أنها حدثت في زمن واحد. 
الأحد 2019/01/27
فنان ذهب بفلسطين إلى العالم

حياته كلها هناك. في مرآة أو في صندوق. لا فرق. بالنسبة له فإن الرسم في إمكانه أن يستدعي الكائنات التي علقت بخيط حياته.

لن يسمي الحكايات التي يرويها بما يشبه الشعر ذكريات. ليس لزمن الرسم ماض لكي نتحرر منه عن طريق الذكريات. لذلك تحاكي رسومه “خفة الوجود” وهو عنوان أحد معارضه في تخليها عن أشكالها.

تيسير بركات لا يراكم طبقات المعنى. يلذ له أن يستعرض الوقائع التي عاشها كما لو أنها حدثت في زمن واحد. إنه زمن الطفولة. تتساوى في ذلك الأحلام المنسية والأحداث اليومية والأمنيات العابرة.

الباحث عن عالم أكثر عدالة

الرسام يرى بعينيه غير أنه يحتكم إلى خبرته
الرسام يرى بعينيه غير أنه يحتكم إلى خبرته

كل ما عاشه ويعيشه وسيعيشه يجتمع على السطح نفسه في رؤية منصفة للزمن الذي يرافقه في الذهاب إلى اللوحة والعودة منها. وهو ما يكسب مفرداته حركة تنبعث من داخلها. سيكون عليه أن يتحكم بذلك الإيقاع الذي يسحره قبل أن يتحول إلى واحدة من حقائق أعماله القائمة على فكرة تلمّس الطريق إلى الموسيقى التي تنطوي عليها العلاقة بالآخرين.

يرسم بركات ليجد نفسه بينهم. أولئك البشر الذي لم يتخل عنهم ولم يودعهم وكان دائما يسهر على أحلامهم من أجل أن يصورها.

ولأن الرسم بالنسبة له سلوك حسّي قبل أن يكون ضالة تأملية، فهو يبقي عينيه مفتوحتين ليرى ويصور، لكن بطريقة هي أشبه بالهذيان. هذيان ينفتح بالوقائع على الزمن الذي يضيفها إلى منمنماته. وهو ما تعلمه بركات حين صار يحتفي بمفرداته باعتبارها لقى نادرة، بالرغم من أنها لا تعدو أن تكون مجرد أشياء مهملة.

يدرك بركات أن الفن يهب الأشياء قيمة استثنائية، لذلك يحرص أن يحتفي بالأشياء التي لا يزال يبصرها بالرغم من أنها لم تعد موجودة. يهبها حياة لتهبه سعادة.

صورة الواقع غير المرئي

الرسم بالنسبة إلى تيسير بركات سلوك حسّي قبل أن يكون ضالة تأملية
الرسم بالنسبة إلى تيسير بركات سلوك حسّي قبل أن يكون ضالة تأملية

ما يفتن في هذا الرسام أنه يضفي قدرا من المرح على فكرته الحزينة عن العالم الذي أحاط حياته بالظلم. فلسفته في ذلك تكمن في طريقة تفكيره في الفن، كونه خلاصا جماليا ينطوي على كثير من الحلول التي في إمكانها أن تجعل العالم أجمل وأكثر عدالة.

ولد تيسير بركات في مخيم جباليا، قطاع غزة عام 1959. درس الفن في جامعة حلون بمصر. وأقام أول معرض شخصي في القدس. أقام معارض شخصية وشارك في معارض احتضنتها مدن عالمية مثل ساو باولو وفيينا ودمشق والإسكندرية وروما وستوكهولم ونيويورك وباريس في معهد العالم العربي عام 2000 والشارقة وهيوستن بمتحف الفنون المعاصرة.

يقيم بركات في رام الله. وهو عضو في جماعة “التجريب والإبداع” كما أنه من مؤسسي “مركز الواسطي للفنون” في القدس. أما معرضه الأخير فقد أقامه عام 2017 في مدينة البيرة الفلسطينية وهو الذي حمل عنوان “خفة الوجود”. مكان إقامته يهبه الكثير من القيم الرمزية التي صار يرنو إليها من خلال رسومه. تلك واحدة من أعظم حكاياته. كان عليه أن لا يغير مكانه من أجل أن يتمكن من الإمساك بالزمن الذي صار يلعب بساعاته مثلما ووقتما يشاء. تلك لعبة طفل.

غير أنه الطفل الذي رأى بعينيه كل شيء ولا يزال حريصا على أن لا يكون شاهدا. ذلك لأنه حين فتح عينيه على الرسم اهتدى إلى الحقيقة التي صنعت منه خالقا لطريقة جديدة في النظر إلى العالم. فبركات لم يغره الواقع ليرسمه. لقد ترك الواقع خلف ظهره ومضى مستلهما حياة، لم يعشها غير أنها كانت الحياة المطلوبة.

وبما أن حياة الآخرين وهو ابن مخيم قد اشتبكت بحياته، فقد كانت مسؤوليته رساما فلسطينيا تضعه أمام خيارين. أن يرسم الواقع، كما لو أنه يعيد إنتاج الحكاية الفلسطينية رسماً. وهذا ما فعله معظم الرسامين الفلسطينيين في تقليد بدأه إسماعيل شموط أو يخلق واقعا، لا يخون الحقيقة غير أنه ينتمي بإخلاص إلى عالم الرسم، الذي يحرّض بجماله على البحث عن قيم واقعية جديدة تليق بالإنسان الحر. لقد قبض بركات على الخيار الثاني وصار يحتفي بألمه كما لو أنه يلعب، غير أنه في الحقيقة كان يمتحن قوة الإنسان الكامنة فيه وهي تقاوم صورة الواقع المفروض عليه. كان يصنع صورة فردية للألم الذي يشعر به الآخرون من غير أن يتمكنوا من القبض عليه. تحدي الواقع بالجمال

رأيت بركات أول مرة في عمان عام 2015. لم أكن بعد قد رأيت عمله “حياة في صندوق”. لو أني رأيت ذلك العمل قبل أن أراه لكنت فهمته أفضل. كان رجلا يحب الحياة بطريقة مَن يسعى إلى اقتناص لحظاتها السعيدة قبل أن ينفخ إسرافيل في بوقه معلنا نهايتها. لقد ألهمه الرسم أن يكون موجودا بقوة في اللحظة التي تتفتق فيها أحاسيسه عن شهواتها. بعد ذلك قرأت له سطورا في سيرته التي أعتقد أنه لم يرسمها بعد.

أكبر من غزة

بركات لم يرسم كائناته باعتبارها كائنات جاهزة
بركات لم يرسم كائناته باعتبارها كائنات جاهزة

يقول بركات “لا اسم لي ولا شكل ولا قيمة في هذا الزمن. يمكن أن تجدوني ميّتا في نفق على الحدود المصرية أو متسولا في أحد شوارع نواكشوط أو في حاوية قمامة في جباليا أو طائرا مبللا بالبترول على شواطئ الخليج العربي. أنا كيس طحين. أنا بيت مهدوم. أنا جرح نازف. أنا جرة غاز. أنا جدار ينتظر أن ينهدم”.

هل علينا أن نبحث عن القاسم المشترك في لوحاته؟

هذا كلام رجل يائس. غير أن المفاجأة تكمن في أن كل ما يقوله بركات إنما يعبّر عن الحقيقة، غير أنها حقيقة تصنع معجزات مضادة لما يُفهم منها. هناك شيء من التحدي للنفاق الذي يتم من خلاله صنع الرأي العام. وهو ما جعل من الواقع الفلسطيني خيارا وحيدا. بركات يقاوم بطريقته لا بالطريقة التي يمليها عليه الآخرون.

سيعرف الآخرون قيمة ما يفعله الرسم من خلال رسومه. ذلك هو رهانه. وهو رهان سيهبنا تاريخا من الجمال لا علاقة له بالتاريخ الرسمي للقضية.

لمَ لا تكون غزة هي ذلك الصندوق؟ لقد صنع بركات عالما سردياً، مخلوقاته كلها مستلهمة من الحياة في غزة. الطيور والحشرات والأسماك وصولا إلى البشر. كلها كائنات تشدّه إلى تربيته البصرية الأولى، غير أنه حين صار رساما عرف كيف يقود تلك الكائنات إلى مرسمه لتكون أشبه بالبشارة التي تمهد للربيع. لقد استولى عليها وقطع صلتها بجذورها. صارت جزءا من حياته التي وجدها في صندوق، هو أكبر من غزة، بل هو أكبر من العالم الذي تعرّف عليه. ما تعلمه من الرسم أن لا يستسلم لعاطفته. ذلك درس بليغ.

الرسام يرى بعينيه غير أنه يحتكم إلى خبرته. ومنذ البدء تعلم بركات أن يتجنّب الانزلاق إلى العاطفة. كان فلسطينيا بعقله لا بعاطفته. وهو ما ساعده على عصيان الوصف. لذلك لم يرسم كائناته باعتبارها كائنات جاهزة.

أخذها إلى ملعبه. أخذ كل شيء رآه إلى ذلك الملعب الذي صار الآخرون يتعرفون على تفاصيله من خلال رسوم ستضعهم على خارطة الفن العالمي. حينها لن يسأل أحد “ما الذي يحدث هناك؟”.

تيسير بركات فنان ذهب بفلسطين إلى العالم.

9