تيك توك.. مرآة جديدة لمشكلات الأسرة العربية

ملايين الأسر تواجه عقبات حادة تتراوح بين المنع والتعايش بأقل ضرر ممكن.
الثلاثاء 2020/10/06
مخاطر متعددة

يواجه تطبيق تيك توك اتهامات بنشر الانحلال والتعدي على قيم الأسرة العربية، وما زال يكسب متابعين وصناع محتوى جددا، ويستخدم كمعبر عن الطبقات الأقل دخلا لتسلق السلّم الاجتماعي، وصولا إلى تحقيق الثراء السريع لبعض الأسر. أمام ذلك لا تجد الأسر التي كانت تمثل من قبل الشريحة القيمية الأكثر صلابة في المجتمع غضاضة في التنازل عن ثوابت كثيرة، فتشجع فتياتها على الظهور عبر ذلك التطبيق، أو يظهرن معا مقدمات محتوى تشاركيا، يلقى رواجا سريعا.

القاهرة - أولعت منة الله أحمد (16 عاما) وعدد من صديقاتها بموقع الأغاني القصيرة تيك توك، وهي من أسرة مصرية متوسطة تقطن في حي شعبي، وتتوسط أشقائها داخل الأسرة.

تقضي الشابة ساعات طويلة يوميا عبر التطبيق تشاهد المقاطع، وأحيانا تحاكيها فتصنع مقاطع خاصة بها، ولا تشاركها عبر التطبيق الذي تصبح كل المواد المشاركة عبره عامة، ويمكن لأي شخص الاطلاع عليها والاحتفاظ بها دون خصوصية.

وقالت منة لـ”العرب” “أشاهد المقاطع، بعضها يعجبني، وبعضها الآخر لا يعجبني لأنه مخالف لما تربيت عليه، فكل فتاة تشتهر لا بد أن يكون لها حبيب أو صديق، يصنعان مقاطع معا، وهذا مخالف لقيمنا، لكن أشاهد من باب الإطلاع والمعرفة، لا المحاكاة”.

وأضافت “أنا وصديقاتي نصنع مقاطع خاصة بنا على بعض الأغاني أو المشاهد التمثيلية، ونشاركها في نطاقنا الضيق بهدف التسلية، وتصبح وسيلة للتباهي داخل شلل (مجموعات) الأصدقاء، لكن لم ولن تشارك أي واحدة منا من خلال تيك توك”.

وقفت القيم التي تربت عليها منة وانخراطها في مؤسسة أسرية متماسكة تخضع للكثير من الرقباء حائلا أمام تفتت قيمها الداخلية أو الانجرار خلف تلك الظاهرة لتصبح جزءا من ذلك العالم الذي جذب الكثير من المراهقين.

مثل أسرة منة، هناك الآلاف بل الملايين من الأسر التي تواجه عقبة جديدة تتمثل في طريقة التعاطي مع تلك المواد، بين محاولات المنع أو التعايش بأقل ضرر ممكن.

ولا تكمن المشكلة في انجذاب المزيد من الفتيات إلى التطبيق بعلم ذويهن أو باستغلال جهلهن التكنولوجي وتصوير تلك المقاطع وبثها، فهناك قضية تهدد التماسك والقيم الأسرية، بل نحن في مواجهة مع أزمة ومشاكل قائمة بالفعل، ومتعددة الاتجاهات ومتجذرة؛ أي أننا، على عكس ما أبرزته بيانات النيابة العامة المصرية عند اتهامها لفتيات تيك توك بتهديد قيم الأسرة، بالفعل أمام مشكلة تجريف قيم الأسرة.

وأكد أخصائيو علم الاجتماع أن التعاطي مع أزمة تيك توك ومخاطرها على الأسرة، على أنها رافد أجنبي دخل ليهدم قيما أسرية ثابتة، نظرة منقوصة ومعتلة؛ لأن القيم التي تعد المؤسسة التربوية الأولى التي يخضع فيها الفرد للتأهيل والتعليم، إذا كانت راسخة فمن الطبيعي أن تكون قادرة على مواجهة مثل تلك الروافد.

وأوضحوا أن ما فعله تيك توك هو إتاحته ساحة علنية، ومرآة لاختبار مدى صلابة المنظومة الأسرية العربية، والتي هي مهترئة بالفعل مع نسب كبيرة من الانفصال، عادة ما تكون عتبة أولى لتفتت الأسرة، وأحيانا يتفاقم الأمر إلى التشرد أو ظهور فئة الأطفال الذين بلا مأوى.

وأشار المختصون إلى أنه “بينما كان الشارع الملجأ الأول للأطفال والمراهقين من قبل، ليتم توظيفهم في أعمال إجرامية مثل السرقة أو الاتجار بالمخدرات أو الدعارة، فإن تحقيق الشهرة على موقع مثل تيك توك، قادر على توفير دخل كبير وشهرة وقد يصبح بابا للاستقلال عن أسر لا يجدون فيها الراحة”.

ولم يكن التعاطي مع الموقع خلال فترة صدمته الأسرية الأولى سببا بل هو نتيجة لمشاكل قائمة بالفعل، أتاح لها الموقع ساحة علنية للظهور، فيما أثار التعاطي الرسمي بحبس بعض الفتيات اللاتي استخدمن تيك توك بطريقة سافرة بتهم تهديد قيم الأسرة، غضبا لدى طبقة مثقفة، تعتبر معاقبة فتيات صغيرات ضحايا منظومتهن الأسرية ليس سوى حلقة جديدة من حلقات جلد الضحية.

انخراط الأطفال والمراهقين في هذه الممارسات وتعرضهم للشهرة دون تقديم محتوى هادف من شأنهما أن يجرفا القيم الأسرية

وقررت النيابة العامة بمصر استبدال عقوبة الحبس الاحتياطي لواحدة من تلك الفتيات، وهي آية الشهيرة عبر التطبيق باسم منة عبدالعزيز، بالتأهيل النفسي والمجتمعي وإعادة دمجها، ولقي ذلك استحسان الكثير من الأسر.

فكرة التأهيل في حد ذاتها أكثر ما تحتاجه الكثير من الأسر، التي تخضع إلى سعي مستمر ودهس بعجلة الحياة اليومية، بحثا عن توفير متطلبات الحياة، في مقابل تغيرات سريعة وروافد متتالية، تجعل عبء المرور بالأسرة إلى بر الآمان همّا مضاعفا.

غير أن التأهيل الخاضع للرقابة القانونية محل شك، حيث ظهرت الفتاة منة عبدالعزيز مؤخرا بمقطع جديد وهي ترتدي “إسدالا” وتجلس على سجادة للصلاة وفي يدها مصحف، وخلال المقطع المقتضب ظهرت الفتاة باكية، ومتحدثة عن مشاعر السعادة والفرحة التي تعتريها لمعرفتها الله ومواظبتها على الصلاة.

بمقارنة المقطع الأخير مع المقاطع السابقة قد لا يوجد اختلاف كبير، حيث بدت الفتاة في الحالتين مجبرة، في الأولى مجبرة أمام ظروف أسرية وجهل وتفكك الأسرة، ما حدا بها إلى اللهث خلف قيم المكسب السريع والوقوع ضحية الآخرين، وفي الثانية مجبرة على أن تصبح النموذج المقبول أسريا، والذي ينفذ ما يملى عليه دون الانخراط في منظومة حقيقية تبدل خلالها مفاهيمها الخاطئة، وتتبناها دون حاجة إلى إعلان أو مشاركة، وتفتح أمامها أفقا جديدا.

وفي مقابل نموذج منة عبدالعزيز العاكس لأزمة التفكك الأسري -حيث قالت النيابة في بيانها أن تحرياتها أسفرت عن “اضطرابها انفعاليًّا ونفسيًّا نتيجة تعرضها لأزمات اجتماعية قاسية مُنذ صغرها حرمتها من عاطفة الأسرة والأهل، وأثَّرت في سلوكها العام..”- نجد أزمة اللهث الأسري تحت منظومة الكسب السريع، الذي تمثله فتاة تيك توك المعروفة، حنين حسام.

وخلافا لما يمثله الحكم على حنين بالسجن لمدة عامين وغرامة قدرها 300 ألف جنيه (نحو 20 ألف دولار) من صدمة، فقد كان لافتا موقف والدها الذي وقف مدافعا عن ابنته في ساحة المحكمة وانهار بعد صدور الحكم.

وقال المختصون إن أسرا أخرى كثيرة باتت تنخرط في مقاطع جامعة لها بحثا عن الشهرة والمال، ولم تعد هناك حرمة لأي شيء، فباتت الكاميرات تدخل المنازل وتلتقط أدق التفاصيل.

ولفتوا إلى أنه إذا كانت التأثيرات الأولى لذلك التطبيق ضربت مباشرة الأسر الأكثر هشاشة، فإن نظيرتها المتماسكة ليست في مأمن من تأثيرات ذلك التطبيق، خاصة تلك المنبهرة بالحداثة والشهرة، والتي تنتج محتوى قد لا تنطبق عليه معايير التهدم المباشر.

ونبهوا إلى أن هذه النوع من المحتوى يحفل بالتعري أو الانحراف، غير أن انخراط الأطفال والمراهقين في هذه الممارسات وتعرضهم للشهرة دون تقديم محتوى هادف من شأنهما أن يجرفا القيم الأسرية ويعبثا بشخصياتهم. وتصبح “التسلية” أو مواكبة الموضة خطرا حقيقيا يهدد الجميع، ما لم تصحبهما التوعية والتوجيه.

وخلصت دراسة حول تأثير ظهور الأطفال على تطبيق تيك توك -صدرت في مايو 2020 عن المركز الديمقراطي العربي للدراسات الإستراتيجية والسياسية والاقتصادية، للباحثة الجزائرية سماح جعود- إلى أن هناك مخاطر أسرية عدة وراء استخدام الأطفال في مقاطع تيك توك.

وكشفت الدراسة أن تفشي هذه الظاهرة خاصة وسط فئة الأطفال والمراهقين يؤدي إلى الانحلال الخلقي ويؤثر على القيم التربوية والاجتماعية ويقود إلى انحطاط مجتمعي كبير، لأن الأطفال يتأثرون بصفة سريعة، لضعف الإدراك الانتقائي عندهم، فهم يتقبلون كل الرسائل دون نظرة نقدية لما يشاهدون أو يسمعون، ويقلدون ما يقوم به الأشخاص الأكبر سنا، خاصة الوالدين والمقربين من أفراد العائلة.

كما توصلت إلى أن الفئة العمرية من 11 إلى 14 سنة، تشارك في تلك المقاطع بنسبة 73.14 في المئة، وتتكون هذه الفئة من الأطفال الذين لديهم حساب خاص على التطبيق، وذكرت الدراسة أن تصرفات هؤلاء الأطفال بعد تحليل المحتوى تجاوزت سنهم بكثير فهم يرقصون ويتمايلون، خاصة الإناث، ويضعن مساحيق التجميل ويرتدين الملابس غير المحتشمة، منبهة إلى أن كل هذه التصرفات تؤثر على السلوك مستقبلا.

21