تيلغراف البريطانية تنال حصتها من فضيحة المصرف السويسري

الجمعة 2015/02/20
أوبورن صرح أن سبب استقالته من الصحيفة يرجع إلى الضمير

لندن – تعرضت صحيفة ديلي تيلغراف البريطانية إلى سقطة مهنية هزت مكانتها، بعد استقالة كبير المعلقين السياسيين احتجاجا على تغطيتها المنحازة لقضية المصرف السويسري، لإرضائه والمحافظة على مساهمته الكبيرة في إعلاناتها.

تسبب بيتر أوبورن كبير المعلقين السياسيين في صحيفة ديلي تيلغراف البريطانية، في صدمة كبيرة للأوساط الإعلامية، بعد استقالته بسبب تغطية صحيفته لقضية المصرف السويسري “اتش اس بي سي”.

وأعلن الصحافي البريطاني استقالته الثلاثاء، بعد أن شن هجوما لاذعا ضد الصحيفة الرقمية، مثيرا موضوع الصحافة ودورها في مكافحة الفساد، من خلال تنديده علنا بالتغطية الإعلامية للصحيفة التي كان يعمل لديها.

واتهم أوبورن الصحيفة بعدم نشر معلومات سلبية حول المصرف العملاق لإرضائه، نظرا لكونه مساهما كبيرا في إعلاناتها. وتناقلت شبكات التواصل تعليقه بشكل مكثف ضمن إطار الدفاع عن حرية الإعلام. وانتقد صحيفته التي أشارت إلى الحدث بأسطر قليلة، بينما حظيت هذه القصة باهتمام كبير من صحف مثل التايمز والغارديان والميل، وخصصت لها الصفحة الأولى من صحيفة الإندبندنت.

وإثر إعلان الاستقالة، أوردت صحيفة الغارديان التي نشرت تسريبات “سويس ليكس″ الأربعاء، أن المصرف “علق” إعلاناته في صحيفة ديلي تيلغراف. وامتنع المصرف عن التعليق حول هذه المزاعم.

وكان أوبورن كتب على موقع “اوبن ديموكراسي” أن “تغطية تيلغراف الأخيرة لقضية اتش اس بي سي هي احتيال على القراء”. وأضاف أن سبب استقالته من الصحيفة يرجع إلى الضمير بسبب عدد من قراراتها التحريرية.

المصرف علق إعلاناته في صحيفة ديلي تيلغراف وامتنع عن التعليق حول مزاعم التغطية المنحازة

ودعا إلى مراجعة محايدة للقواعد التي تعمل بها الصحيفة، قائلا إن “هناك حاجة إلى تقييم العلاقة بين الإعلانات وسياسة التحرير”. مبينا أنه “لا يمكن أن تتم تلك المراجعة على يد الرئيس التنفيذي، الذي يدير الأمور، نحن بحاجة إلى شخص محايد من خارج الصحيفة ليقيم العلاقة بين الإعلانات وسياسة التحرير”. وأكد أنه إذا سمحت الصحف الرئيسية للمؤسسات التجارية بالتأثير على محتواها خشية فقدان الدخل من الإعلانات، فإن الديمقراطية نفسها تصبح في خطر.

وأثارت استقالة أوبورن ردود أفعال واسعة بين الصحفيين ورؤساء التحرير ومدراء المؤسسات الإعلامية، فقال بعضهم إن استقالة أوبورن “مذهلة”.

ونقلت بي بي سي عن البروفيسور جاي روزن، من جامعة نيويورك، قوله إن بيان الاستقالة من أهم ما كتبه صحفي عن الصحافة مؤخرا.

كما رصد أوبورن ما وصفه بانهيار المعايير الذي أدى إلى “تطور مشؤوم”. وشرح قائلا “كان من المسلم به في الصحافة البريطانية المحترمة الفصل التام بين قسم الإعلانات وقسم التحرير، إلا أن مثل هذا الفصل لم يعد قائما في صحيفة التيلغراف كما يستدل من الكم الهائل من الأدلة والإثباتات”.

ونفت صحيفة تيلغراف كل الاتهامات التي كالها أوبورن في بيان. وقال متحدث باسم الصحيفة “مثل أي شركة في السوق، نرفض التعليق على أي علاقة تجارية بيننا وبين أي من زبائننا. هذه سياسة واضحة بالنسبة لنا”. وأضافت الصحيفة، التي دعتها “بي بي سي” للظهور مع أوبورن للدفاع عن نفسها في برنامج نشرة “اليوم” على الإذاعة الرابعة “هدفنا هو أن نقدم لشركائنا التجاريين كل الوسائل المتاحة لإعلاناتهم في صحفنا، لكن الفصل بين السياسة الإعلانية والتحريرية لجريدتنا، التي نالت الجوائز على تغطيتها الصحافية، كان ولا يزال من القضايا الثابتة والأساسية”.

أوبورن يعتبر وجود صحافة حرة من أهم متطلبات الديمقراطية السليمة. فالصحافة لا يقتصر دورها فقط على التسلية. أو إشباع الرغبات المنحرفة للسياسيين

وأضاف “إنه لأمر يحزننا كثيرا أن يشن بيتر أوبورن -الذي ظل يساهم في الصحيفة على مدى خمس سنوات- مثل هذا الهجوم المدهش، الذي لا أساس له، والمليء بعدم الدقة، والتعريض، على صحيفته”.

ونقل أوبورن عن ميردوخ ماكلينان الرئيس التنفيذي في تيلغراف أثناء مقابلة له معه في منتصف ديسمبر الماضي، قول الأخير إن الإعلانات تؤثر على السياسة التحريرية.

وأكد أوبورن أن وجود صحافة حرة من أهم متطلبات الديمقراطية السليمة. فالصحافة لا يقتصر دورها فقط على التسلية. أو إشباع الرغبات المنحرفة للسياسيين والشركات الكبيرة والأثرياء. بل تحمل الصحف على عاتقها ما يمكن أن يرقى إلى الواجب الدستوري في أن تخبر قراءها بالحقيقة.

جدير بالذكر، أن الصحافة تلعب دورا مهما في مكافحة الفساد في الدول الديمقراطية مثل بريطانيا، ففي عام 1994 كشفت صحيفة صندي تايمز البريطاينة عن أن أعضاء بمجلس العموم كانوا يقبلون رشاوى بألف دولار مقابل إثارة أسئلة معينة في البرلمان. وفي العقدين الماضيين كانت الصحافة سبب استقالة معظم الوزراء في بريطانيا.

وعام 2009، كشفت صحيفة ديلي ميل عن مصاريف غير قانونية لأول وزيرة داخلية لبريطانيا جاكي سميث، منها فاتورة بما يعادل 15 دينارا ثمن مشاهدة زوجها فيلمين على محطة بث بالكيبل مدفوعة الثمن.

آنذاك بادر عدد من النواب إلى إعادة ما يعادل مليوني دينار من تعويضات مصاريفهم. كما استقال أيضا رئيس مجلس العموم البريطاني مايكل مارتن، لفشله أخلاقيا في عدم ضبط المصاريف.

ثم جاء ديفيد بلانكيت أول وزير داخلية أعمى لبريطانيا، وهو كفيف منذ الولادة. وبعد كشف الصحافة عن استخدام نفوذه لتسريع إجراءات الإقامة لخادمة فيلبينية، اضطر للاستقالة. مثل هذه القصص ساهمت في تخفيف الفساد وحصاره وتحجيمه وعدم زيادته.

18