تيم بيرتون عبقري التراكم السوداوي والشحوب البصري

السبت 2016/03/12
مخرج خلق مفهوما واسعا حول الموت وما بعده

برلين - رجل شاحب الوجه، ضعيف البنية، حزين العينين، ذو شعر ثائر. يقول أشياء أكثر بكثير من مجرَّد صعوبة في النوم ليلة أمس. لو كان هناك شيء كمشط ذي قدمين، لكان قد ولَّى الأدبار أسرع من أسرع عدَّاء لو ألقى فقط نظرة واحدة على خصلات شعره المتشابكة: كتلة غير متجانسة شرقا، وأربع شعيرات غربا، ثم دوامة، وبعدها فوضى شمالا وجنوبا من الخصل. عينان متسعتان ترمقان الفراغ؛ عينان فضوليتان رأتا الكثير لكنهما تلتهمان كل ما تقعان عليه. هذا المجنون شديد الحساسية هو نفسه إدوارد ذو اليدين المقصَّات.

عيون منتفخة على ملامح شاحبة

تلاحظ في شخصياته غرائبية فريدة، عيون كبيرة تكاد تسقط، منتفخة، وجوه شاحبة، تجاويف في الخدود، شحوب نفسي وانطوائية جميلة. يظهر ولعه في تصميم شخصياته أيضا من خلال أقمشة مخططة متوازية بالأبيض والأسود طولانيا في بعض أفلامه، وملابس ذات طابع فيكتوري رغم وضوح فعل الحداثة في باقي العناصر المحيطة. بحر من الأقمشة المزركشة حتى تشعر أن الشخصية تكاد تختنق وتغرق داخل طبقاتها المتراكمة وتظهر في عالم مواز آخر. تكثر هذه السمة بوضوح في فيلم “سويني تود: الحلاق الشيطاني لشارع فليت” بطولة جوني ديب وهيلينا بارك. الأجواء الغرائبية في شخصياته المتحركة تظهر أيضا في فيلم “فرانكنويني”.

يقول بيرتون إن كلبه مات عندما كان صغيرا، واستعمل هذه الفكرة كنوع من الاقتباس لفيلمه، العديد من طاقم الفيلم تحدث أنه وبالرغم من أن المخرج لم يخبرهم بالكثير إلا أنهم توقعوا أن الشخصية الرئيسية “فيكتور فرانكنويني” الصبي الصغير الانطوائي، قليل الأصدقاء، صاحب المخيلة والاختراعات العظيمة، هو نسخة مصغّرة عن طفولة تيم.

رسام، مخرج، كاتب، شاعر ومنتج

تدل خفة تيم في دمج الشخصيات مع بعضها على ذكاء لافت، من تراكم التفاصيل إلى المشهد المكتمل والحوارات ذات الأبعاد المتعددة ما جعله مميزا بأسلوبه عن باقي المخرجين، خصوصا نشأته العدمية في منزل يتموضع إلى جانب القبور، هوسه بأفلام الرعب والخيال العلمي، خلق لديه مفهوما واسعا حول مفهوم الموت وما بعده بشكل دراماتيكي فانتازي.

ولد تيم في كاليفورنيا بالقرب من هوليود العام 1958، عمل متدربا في مجال الرسوم المتحركة في ديزني بعدها درس في جامعة كاليفورنيا قسم “تحريك الصورة الثابتة”، تأثر بتراكم بصري لعديد من الفنانين مثل غويا، كوستاف كوربيه، وفناني حركة ما بعد الانطباعية خصوصا فان كوخ.

حياته الفنية بدأت تتشكل بعد تصوير فيلمه القصير “فينسيت” في العام 1982. جسّد بيرتون بطل طفولته من خلال صبي صغير مهووس بممثل الرعب الشهير آنذاك “فنست برايس” إلى حد تقمص شخصيته سايكولوجيا، من خلال لاوعي منفصل عن عمره البيولوجي بتخيل ورؤية أشياء دون الآخرين في منزله وغرفته، كما لو أنه فنست برايس نفسه، وليس فنست ملوي الطفل الصغير.

جوني ديب يقول عن صديقه تيم بيرتون الذي شكل معه ثنائيا سينمائيا فريدا "لقد أنقذني من عالم التلفزيون المسدود. هذا الرجل العبقري غريب الأطوار الذي قضى شبابه يرسم صورا غريبة شاعرا مثلي بالعزلة والبلادة"
تخيل وضع عمته المحبوبة في مصنع الشمع السري خاصته، ترويض الخفافيش والعناكب في أقفاص خاصة، خلق مختبر صغير في غرفته وتنفيذ الاختبارات على كلبه بغية إخراج الزمبي المختبئ داخله ليطاوعه على اللحاق بالمجرمين وحمايته منهم في ضباب المدن المظلمة، اقتباساته الشعرية كانت من شعراء كإدغار آلان بو.
أجواء الفيلم كوّنت نمطا قوطيا وهو الأسلوب الواضح اتباعه في أغلبية أفلام ورسومات بيرتون التي تشبه إلى حد كبير الأسلوب المتّبع في السينما التعبيرية الألمانية، المستوحاة من الثقافة القوطية المنتشرة في بعض القبائل الجرمانية وفي إنكلترا في القرن التاسع عشر، والمميز في هذه الثقافة اللباس الأسود الداكن والخطوط البيضاء الطولانية العريضة المرافقة لشحوب لون البشرة والحالات السوداء الكثيفة، طقوس هذه الثقافة اختفت مع الوقت إلا أنه بقي منها في نمط معين من الأفلام منها لبيرتون واحتفالات سنوية لإحيائها كنوع من التسلية.

يعتبر بيرتون من أهم المراجع السينمائية في مجال الغرائبية الفجة، القدرة على دمج الصورة الفنية المعتاد رؤيتها على أبعاد اللوحة الثنائي مع المشهد المرئي المتحرك، تركيزه على فعلي الاستحضار والاسترجاع في حبكات قصص شخصياته التي تعمل بشكل غير مباشر على إنهاك المشاهد وتوقه لمعرفة ماهية سلسلة الأحداث التي أوصلت المشهد لنقطة معينة من الدراما. التناقضات الشديدة في الانتقال من الضوء إلى الظلام، أهمية عناصر السطوح الانعكاسية كالمرايا والمقعرة كالزجاج لإسقاط خيالات غير واضحة ومريبة خلال المشاهد. تميل الإدراكات الفنية لديه إلى إسقاط فعل الصدمة وبعث الفوضى في رتابة طراز البيوت الروتينية البصرية والسلوكية المكثفة واقعيا.

ديب وبيرتون ثنائي قلق

لقد أنقذني من عالم التليفزيون المسدود هذا الرجل العبقري غريب الأطوار الذي قضى شبابه يرسم صورا غريبة شاعرا مثلي بالعزلة والبلادة (وهو ما عرفته لاحقا).

عمل بيرتون وديب في الكثير من الأفلام سويا مثل “إدوارد ذو الأيدي المقصات”، “كابوس ما قبل عيد الميلاد”، “العروس الجثة”، “إد وود”، “أليس في بلاد العجائب”، “أسطورة سليبي هولي”، تشارلي ومصنع الشوكولا”، “الظلال الداكنة”، وشكلّا من خلالها أفلام تعج بالأجواء الغرائبية المثيرة للاهتمام والرعب والمتعة النادرة.

شخصيات بيرتون غرائبية فريدة، عيون كبيرة تكاد تسقط، منتفخة، وجوه شاحبة، تجاويف في الخدود، شحوب نفسي وانطوائية جميلة. يظهر ولعه في تصميمها من خلال أقمشة مخططة متوازية بالأبيض والأسود طولانيا في بعض أفلامه

يقول ديب “كنت مشدوها، ضائعا، محشورا في حنجرة أميركية، كنت فتى التلفزيون، الشاب المحبوب، نجم المراهقين. كنت مصقولا، مجبرا على حركات وسكنات بعينها، مزيفا، بلاستيكيّا! ولم أرَ مهربا من هذا الكابوس. ثم، ذات يوم، أرسلت لي وكيلتي الجديدة سيناريو كان بمثابة هبة من السماء. كانت قصة عن ولد لديه مقصَّات مكان يديه، منبوذ بريء يسكن الضواحي. التهمت السيناريو في الحال، مصدوما من حقيقة أن هناك أحدا عبقريّا بما فيه الكفاية ليتخيَّل قصة كهذه، ناهيك عن أن يكتبها. كان احتمال قيامي بالدور مستحيلا في نظري”.

بسبب اختيار بيرتون لجوني ديب لهذا الدور في فيلمه أدى إلى شهرته الواسعة بعد أن شغل العديد من الأدوار التلفزيونية التي لا تستحق النقد بصريا ولا سرديا، كانت خلاصة هذا التعاون البصري صداقة وعلاقة كبيرة بينهما تجلت ملامحها في العديد من التصريحات والمقابلات التلفزيونية، إضافة إلى كتابة ديب لمقدمة كتاب صديقه المخرج “بيرتون داخل بيرتون” بلغة حميمية لا تخلو من الكوميديا السوداء، مشبعة بالسخرية.

يضيف جوني “دخلت المقهى أدخِّن في شراهة باحثا عن العبقري الذي ينتظرني (ولم أكن أعرف شكله) ثم، رأيته جالسا إلى مائدة وراء صفّ من أُصُص النباتات يشرب قدحا من القهوة. جلست وبدأنا نتكلَّم، نوعا ما. رجلٌ شاحب الوجه، ضعيف البنية، حزين العينين، ذو شعر ثائر يقول أشياء أكثر بكثير من مجرَّد صعوبة في النوم ليلة أمس. لو كان هناك شيء كمشط ذي قدمين، لكان قد ولَّى الأدبار أسرع من أسرع عدَّاء لو ألقى نظرة واحدة على خصلات شعره المتشابكة: كتلة غير متجانسة شرقا، وأربع شعيرات غربا، ثم دوامة، وبعدها فوضى شمالا وجنوبا. أذكر أن أول خاطر تردَّد في ذهني هو ‘نم قليلا!’ لكنني لم أقله علنا بالطبع”.

فعل الفشل وتمحوره لدى بيرتون

يعتبر فيلم “عيون كبيرة” الفيلم الثاني المقتبس عن قصة حقيقية بعد فيلمه “إد وود” عن المخرج الملقب بـ”أفشل مخرج في التاريخ” إنتاج 1994.

يلاحظ أن فعل الفشل نقطة أساسية مرتكزة تتنقل بخفة في التراكم البصري بغالبية أفلامه، ميله لإخراج فيلم عن حياة هذا المخرج بطولة جوني ديب يعطي أسبابا كثيرة للنظرة المختلفة عن الفشل بالنسبة إلى بيرتون.

رأى في عقل هذا المخرج انعكاسات وأبعادا تبين بأنه من الظلم سحقه بهذا اللقب من قبل النقاد على وجه الخصوص، رغم شغفه الملحوظ بصنع الأفلام رغم الموارد قليلة الدعم والميزانيات التي تكاد تكون شبه معدومة.

تميل الإدراكات الفنية لدى تيم إلى إسقاط فعل الصدمة وبعث الفوضى في رتابة طراز البيوت الروتينية البصرية والسلوكية المكثفة واقعيا

اعتبره ناجحا بطريقة أخرى خارجة عن الفكر الشائع المتداول، وكأنه نجح في فعل الفشل باحترافية، أعطاه صورة الإنسان المتهكم المجتهد، محب السينما، المخلص لكادر عمله.

يقول بيرتون “إنه لمن السخرية أن ينال المخرج الذي قدّم مجموعة من أسوأ الأفلام على الإطلاق عن حياته واحدا من أعظم أفلام السير الذاتية على الإطلاق”.

اعتبره مثله الأعلى بالرغم من الكوميديا السوداء الهزلية الملاحقة لحياة هذا المخرج إضافة إلى الأخطاء الفجة الموجودة في تقنياته وضعفه الإخراجي والمشاهد الرخيصة حركيا.

يظهر فعل الفشل أيضا، بطريقة معاكسة لدى رسامة الأطفال ذوي العيون الكبيرة، مؤكدا على سطحية واصطناع مدّعي الفن والثقافة، متجاهلا سخرية النقاد من أعمالها الذين رأوا في لوحاتها بساطة وسذاجة طفولية، لا ترقى إلى مستوى الفن المنافس في وقتها، ما جعله مصرا على تحويل حياتها إلى فيلم من إنتاجه، معبرا بالعلن عن إعجابه الكبير برسوماتها. أظهر شخصيتها قوية في الكثير من المواقف رغم خجلها وصمتها المرافق لشخصيتها الذي يعتبر نقصا وفشلا في التعبير بالشكل الشائع. شعر تيم أن توثيق حياة هذه المرأة وإبعاد تهمتي الجبن والتواطؤ والفشل خلال بدايتها الفنية واستغلال زوجها لها خلال كل هذه المدة من أهم واجباته كمخرج وفنان على السواء.

13