تيم بيرنرز لي مؤسس الويب الذي جعل العالم قرية صغيرة

السبت 2015/04/25
عالم ألقي القبض عليه وهو يحاول إخراج الإنسان من عزلته

المفارقة بين الراهنية وبين الماضوية، تبنى في وقتنا العالي على مدى الانتماء إلى الزمن الحالي، فكلما كانت أدوات المعرفة تتحدث باستمرار، كلما خطت المجتمعات بالتوازي مع الانقلابات المعرفية التي يخوضها العلم الراهن، وكلما اشتغلت الحكومات على أن تكون المعرفة عمومية، ومتاحة بين أفراد المجتمع كلما تمتعت الشعوب بمستويات متطورة من الرفاهية.

ديمقراطية المعرفة، لم تكن متاحة وعمومية في تاريخ البشرية كما هي الآن، ففي وقتنا الراهن يمكن لأيّ كان وفي أيّ زمان ومكان أن يكون حاضراً ومتصلاً على الشبكة، شبكة الإنترنت التي تعتبر الشريان الأساسي الذي تمر به “دماء” المعرفة لتصل إلى العقول.

الفكرة تصبح شبكة

لم تكن الإنترنت مشروعاً عمومياً منذ بدايتها، فتاريخ الشبكة يوضح أنها قد بدأت كفكرة يتم البحث فيها وحولها منذ نهاية خمسينات القرن الماضي، غير أن أول عملية توصيل بين أجهزة الحاسوب وباستخدامات بسيطة بالقياس إلى زمننا الحالي تمت في العام 1969، عبر ربط أوائل الحواسيب من 4 جامعات أميركية، وليصبح العدد 23 في العام 1971 عبر شبكة ARPANET آربانت أو مشروع وزارة دفاع الولايات المتحدة. والذي يعتبر النواة الحقيقة التي أدت إلى ظهور الإنترنت، وفي العام 1982 ظهرت عبارة الشبكة العالمية (International Network) والتي صار اسمها لاحقاً: الإنترنت Internet. وفي العام التالي ظهر أول (خادوم) نطاقات DNS، ولم يقترب عقد الثمانينات من نهايته حتى بات عدد الحواسيب المترابطة فيما بينها يناهز المئة ألف حاسوب.

إنها فعلاً فكرة شديدة الإغراء في ذلك الوقت، أن يستطيع مستخدم الكومبيوتر الدخول إلى الأجهزة الأخرى بطريقة ما، ولكن هذا الإغراء كان يجابه بمشاكل تقنية أولاً، وبمشاكل أخرى من عدم رغبة الحكومات بأن تتحول الشبكات الحاسوبية المقترنة بمراكز الأبحاث العلمية الجامعية، والمؤسسات العسكرية وبعض مؤسسات الخاصة، إلى شبكات عمومية، يمكن للجميع أن يرتادها.

غير أن المنجز الذي حصلت عليه البشرية والذي بات الآن من رواسخ حياتها، والذي أدى إلى تجاوز هذه المشكلات بدأ مع البريطاني تيم بيرنرز لي، الذي لم يكن يخطر في ذهنه أن ما فعله في نهاية ثمانينات القرن الماضي وبداية تسعينياته، سيغير وجه التاريخ.

القبض على بيرنرز لي

الفكرة بدأت بسيطة وغير مغرية للوهلة الأولى وانطلقت من الفضول المعرفي الذي حكم عقل تيم بيرنرز لي طيلة سنوات عمله بين المؤسسات والشركات التقنية، ما جعله يستخدم أجهزة جامعته أكسفورد في العام 1973 في عملية اختراق فقبض عليه متلبساً بها، وتمت معاقبته بحرمانه من استخدام كومبيوترات الجامعة.

تيم بيرنرز لي يعد أول من كتب مزوداً للويب World Wide Web، ووضع أسس أول برنامج مستقل لتصفح إنترنت. وقد بدأ العمل به في نهاية العام 1990

خبرة تيم بيرنرز لي جعلته ومنذ العام 1984 ينشغل بالعمل في النظم السريعة والموزعة لتجميع البيانات العلمية ونظم التحكم، ما أوصله لأن يقوم في 1989، باقتراح مشروع لغة تعليم النص العالمي المترابط، وهو ما عُرف فيما بعد بالشبكة العالمية (World Wide Web ) والذي صُمم ليتيح للمستخدمين بأن يعملوا معاً، بأدواتٍ معرفية موحدة معروفة ومفهومة من خلال صفحات ووثائق لغة تعليم النص المترابط على الإنترنت.

بيرنرز لي يصف تلك المرحلة الصعبة من عمله ويقول “تقدمت بمقترح لتطوير تدفق المعلومات وتبادلها عبر شبكة من الصفحات والبيانات المرتبطة ببعضها البعض. ولم يحظ المقترح بموافقة المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية CERN التي لم تجد مبرراً لمشروع تطوير برمجيات عام كهذا آنذاك. ولكن مديري حينها مايك سيندل سمح لي بالاستمرار فيه سراً كمشروع مستقل. وفي عام 1990 كتبت الكود الخاص بأول متصفح ومحرر للويب. وبعدها بثلاث سنوات، بعد شد وجذب مع المنظمة، أعلنت الأخيرة رسميا عن توفير تكنولوجيا (WWW) للجميع، دون أيّ رسوم، وللأبد”.

النظام المتداخل

يمكن تبسيط مفهوم الويب على أنه؛ “نظام للترابط بين النصوص في الإنترنت”. هذا الترابط المتداخل بين النصوص في الإنترنت، يسمح بالانتقال فيما بين الصفحات باستعمال متصفح إنترنت. وصفحات الويب من الممكن أن تحتوي على نصوص، وصور، وأصوات، ومرئيات (فيديو)، وصور متحركة، وبرامج تفاعلية، وغير ذلك. ويقوم بتوفير هذه الصفحات في الإنترنت مخدّم، ويقوم هذا المخدّم بإرسال الصفحات، ومحتوياتها بناء على الطلب من متصفح المستخدم.

كان تيم بيرنرز لي هو أول من كتب مزوداً للويب World Wide Web، ووضع أسس أول برنامج مستقل لتصفح إنترنت. هذا العمل بدأ في نهاية عام 1990، وكان البرنامجWorld Wide Web الأول متاحاً من خلال معهد سيرن وأُطلق على الإنترنت في صيف 1991. ويتذكر تيم بعضاً من تفاصيل هذه المرحلة الصعبة فيقول “كانت هناك ثلاث مجموعات بادرت إلى تبني البرنامج، وقد حاولت أن أنتشر خلال المجتمع ذات الطاقة العالية من المختصين والمحترفين، لأن ذلك ما أنفقت وقتي عليه، وبالطبع انتشر برنامجي خلال مجتمع مستخدمي النص المترابط ، لأنني وضعته في مجموعة alt.hypertext الإخبارية، كما انتشر خلال مجتمع NeXT، لأن هؤلاء كانوا هم القادرون على إدارة البرامج في الحقيقة، لقد آمنت منذ البداية أن الطريق إلى تبني التكنولوجيا يمكن أن يأخذ اتجاهات غريبة جدا دائما، ولكي تنتقل من (أ) إلى (ب) يجب عليك أن تجد ممراً بين النقطتين، وهذا يعني أن لكل واحد طريقته في الانتقال عبر هذه الطريق، وهكذا كان العدد التصاعدي للمستخدمين يشبه الكرة الثلجية، وكان ردنا هو تطوير المزود الأول وهو مزود الملفات المعتاد، لكن المزود الثاني كان لدليل هواتف سيرن الذي كان مدخلاً لقاعدة بيانات علائقية. وربما كان ذلك ممتعاً لمن يقولون إن ابتكار المزودات سوف يكون مدخلاً إلى قواعد بيانات علائقية. وعلى أيّ حال فقد كان دليل التّليفون المشكلة الحاسمة التي احتاجت إلى الحل”.

أول عملية توصيل بين أجهزة الحاسوب وباستخدامات بسيطة، جرت في العام 1969، عبر ربط أوائل الحواسيب من أربع جامعات أميركية، وليصبح العدد 23 في العام 1971 عبر شبكة ARPANET أربانت أو مشروع وزارة دفاع الولايات المتحدة. والذي يعتبر النواة الحقيقة التي أدت إلى ظهور الإنترنت

إتاحة ومراقبة

تابع تيم عمله على تصميم الويب وتنسيق الملاحظات من المستخدمين عبر الإنترنت، وتمت مناقشة تعريفاته ومواصفاته الأولى، ونقحت ونوقشت في دوائر أكبر عندما انتشرت تكنولوجيا الويب، وفي العام 1994 انضم تيم إلى مختبر علوم الكمبيوتر في معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا، كمدير لمنظمة W3C، والتي أنشئت كتجمع صناعي دولي هدفه هو قيادة شبكة الويب إلى أقصى إمكانياتها. والتي انخرط فيها أعضاء يعدون بأكثر من 500 منظمة موزعة حول العالم ما جعل هذه الرابطة تنال اعترافا دوليا بمساهمتها في تطور ونمو الويب.

لقد حكم هاجس مجانية وسهولة وحرية تبادل المعلومات رأس تيم بيرنرز لي، وبقي مخلصاً له، رغم أن الشركات التجارية ومنذ العام 1994 بدأت تدرك أهمية ما تم إنجازه على صعيد الويب فبدأت بتطوير أدوات الوصول للإنترنت حيث ظهر المتصفح “موزايك” والذي تغير اسمه لاحقاً إلى “نستكيب”.

الشيفرة WWW

وفي 24 أكتوبر 1995، وافق المجلس الفيدرالي للشبكات (FNC) (مؤسسة عالمية أنشئت في ثمانينات القرن الماضي من خلال اللجنة المنسقة المعنية بشبكات الأبحاث القارية لتنسيق دعم الإنترنت لمجتمع الأبحاث في جميع أنحاء العالم)، بالإجماع على قرار بتعريف مصطلح الإنترنت.

وقد تم تطوير هذا التعريف بالتشاور مع أعضاء مجتمعات الإنترنت وأصحاب حقوق الملكية الفكرية. ما أعطى بشكلٍ أو بآخر صفة العمومية لما تم إنجازه سابقاً في عملية تطوير تبادل المعلومات عبر الشبكة. فالقرار يقول “الإنترنت يشير إلى نظام المعلومات العالمي الذي يرتبط منطقياً بمساحة عنونة متميزة عالمياً بناءً على بروتوكول الإنترنت (IP) أو امتداداته/متابعاته اللاحقة؛ ويمكنه دعم الاتصالات باستخدام مجموعة بروتوكول مراقبة الإرسال/بروتوكول الإنترنت (TCP/IP) أو امتداداتها/متابعاتها اللاحقة و/أو البروتوكولات المتوائمة مع IP الأخرى؛ ويوفر أو يستخدم خدمات رفيعة المستوى منسقة على الاتصالات والبنية الأساسية ذات الصلة الموضحة في هذه الوثيقة، أو يُتيح الوصول إليها، بشكل عام أو خاص”.

تيم بيرنرز لي وفي غير مكان تحدث عن ضرورة أن تبقى الشبكة متاحة للجميع دون قيود فقال: تمكنا من الوصول إلى فكرة شبكة عنكبوتية تعد منصة حيادية وتتيح لنا نقل المعلومات بأشكال مختلفة دون الحصول على إذن مسبق، وعندما بدأنا بتطبيق الفكرة التي بدأت بـ26 موقعاً إلكترونياً فضلنا عدم الاحتفاظ بقائمة المواقع الإلكترونية على الشبكة انطلاقاً من إدراكنا التام بأن امتلاكها من جهة معينة سيجعلها قادرة على جني أموالٍ طائلة، ومن هنا رأينا أن تبقى الشبكة كما هي عليه، حيث يملك مستخدمها كامل الحرية بما يساهم في تنمية معارفه. ومع مرور الزمن تطورت الشبكة بشكل كبير

سواء من حيث السرعة أوالخدمات التي تقدمها للمستخدمين حتى باتت تشكل عالماً مفتوحاً ومصدراً في غاية الأهمية للحصول على المعلومات اللازمة لاتخاذ القرارات”.

بالتأكيد لا تغيب عن أفكار تيم بيرنرز لي الجوانب السياسية التي خلخلتها شبكة الإنترنت في العالم، فواحد من هواجسه الراهنة هو إيصال الشبكة إلى الـ60 بالمئة من سكان الأرض الذين مازالوا لا يتمكنون من الوصول إليها، كما أن معايير الحكم سياسياً على الدول بالنسبة إليه تقوم وفقاً لمدى قبولها بإشراك مواطنيها بقواعده المعلومات المتوفرة لديها. ما يعني رؤية تقوم على أن حقوق الإنسان قد باتت مرتبطة بحقه في الوصول إلى الشبكة، فأي مجتمع ديمقراطي “يجب أن يكون الناخبون فيه على اطلاع، ولهم الحق أن يعرفوا كل المعلومات التي يطلبونها إذا كانت متوفرة”. كما أن “شفافية الحكومات وعدم خوفها من نشر قواعد معلوماتها للعلن هي التي تعطي المستثمرين الثقة لبدء مشاريع في تلك البلدان”.

14