تينتوريتّو ابن صبّاغ الأقمشة الفينيسي الذي غيّر مسار الفن

عبر تفاصيل حياة الفنان الجريء والمتميّز بالقلق الدائم للبحث عمّا هو متميّز، وبالرغبة المطلقة في الحرّية، يسعى الفيلم إلى تشكيل صورة فينيسيا في القرن الخامس عشر، وهو قرن تميّز بالثراء الثقافي.
الأحد 2019/05/26
من أعمال الفنان الذي غير مسار فن النهضة في القرن السادس عشر

كيف بمقدور فنّان واحد أن يُغير مسار تاريخ الفن بأسره؟

هذا هو السؤال الذي ينطلق منه الفيلم الوثائقي «تينتوريتّو، متمرّدٌ في فينيسيا»، الذي أنجزته ميلانيا جي ماتسوكّو، ويرويه النجم الإيطالي ستيفانو آكّورسي. إنّه فيلمٌ عن المبدع المتمّرد والثوري الذي غيّر مسار تاريخ الفن ياكوب روبوستي، المعروف بكُنية « تينتوريتّو»، وهي الكُنية التي نُحتَتْ له بفعل عمل والده الذي كان صبّاغاً «Tintore» للأقمشة.

يأتي إنجاز الفيلم بمناسبة الذكرى الـ500 لميلاد الفنان، وخُصّص للحديث عن شخصية «تينتوريتّو» الذي عاش في فينيسيا ما بين عامي 1519 و1594، وهو الفنان الوحيد، من بين معاصريه من فناني عصر النهضة، الذي لم يبرح مدينته ومسقط رأسه أبداً، حتى في السنين التي غرقت فيها «المدينة العائمة» في لُجّة وباء الطاعون.

ويتجوّل الفيلم في عدد من المواقع التي ما تزال تحتفظ ببهائها القديم من البدايات، وهي الأماكن التي تحتفظ بذكريات الفنان الراحل، ومن بينها «أرشيف الدولة» و«قصر الدوقيّة» و«ساحة سان ماركو»، وهي الأماكن التي ستُفصح عن حياة وعمل «تينتوريتّو». ويتناول الفيلم تفاصيل حياة هذا الفنان منذ بدايات تعلّمه للفن وحتى لحظة الموت دون تناسي الفترة الرائعة التي تشكّل خلالها مشغله، الذي عمل فيه عددٌ من أبنائه، ومن بينهم ابنه دومينيكو الذي سيرث المشغل عن والده، والحبيبة إلى قلبه مارييتّا، الرسامة الموهوبة.

متمرّد تحدى الطاعون

وعبر تفاصيل حياة الفنان الجريء والمتميّز بالقلق الدائم للبحث عمّا هو متميّز، وبالرغبة المطلقة في الحرّية، يسعى الفيلم إلى تشكيل صورة فينيسيا في القرن الخامس عشر، وهو قرن تميّز بالثراء الثقافي وشهد ميلاد وإبداع عدد من عمالقة الفن التشكيلي في العالم مثل تيتسيانو وڤيرونيزي، واللذين كانا منافسين لدودَين لتينتوريتّو.

وكان أيضاً القرن الذي شهد هيمنة جمهورية فينيسيا البحرية  في العالم، وصارت أحد أهمّ وأقوى الموانئ التجاريّة في أوروبا. لكنّ ذلك القرن كان أيضاً الزمن الذي شهدت فيه فينيسيا ما بين عامي 1575 و1577 تفشّي وباء الطاعون الذي أودى بحياة القسم الأعظم من سكان المدينة وترك ندوباً وآثاراً في الـ«لاغونا» لن تُمحى.

وبالذات في سني الطاعون تلك التي أطاحت بمدينته أنتج تينتوريتّو أفضل أعماله، في أجواء مدينة خالية من السكّان بدت أحياؤها كالأشباح التي لفّها الظلام الدامس والغامض، بينما كانت جثامين الموتى تطفو فوق سطح ماء البحيرة. ومن بين هذه الأعمال ما أنجزه الفنان في «مدرسة سان روكّو الكبرى»، وهي سلسلة من اللوحات التي تُغطّي غالبية جدران المبنى.

 يُذكر أنّه ليس بإمكان أحد من الفنانين في عصره، بمن فيهم ميكاييل آنجيلو الذي رسم «قبّة السيستين» بحاضرة الفاتيكان، التباهي بوجود توقيعه على جميع الأعمال المرسومة في مبنى واحد، كما هو الحال مع «تينتوريتّو» الذي وضع توقيعه على جميع ما تحمله جدران ذلك المبنى من أعمال.

أعدّت الفيلم وأنجزته ميلانيا جي ماتسوكّو  ويشارك فيه، كضيف شرف، المخرج البريطاني الشهير بيتر غريناواي، المعروف بآصرته الخاصة مع الفن التشكيلي.

وسيرافق المشاهد في رحلته عبر أعمال وعصر «تينتوريتّو» عددٌ من كبار النقّاد ومؤرخي الفن وبعض أشهر مرمّمي الأعمال الفنّية. وستُتاح للمشاهد الاستماع، عبر الفيلم، إلى تحليلات عدد من بين هؤلاء المرمّمين الإيطاليّين الذين أشرفوا على ترميم عدد من أعمال «تينتوريتّو» الشهيرة من بينها «مريم العذراء المصلّية» و «مريم العذراء القارئة» ، وهما لوحتان رُسمتا في الفترة (1583-1583)، وستُرمّمان قبل عرضهما في المعرض الاستعادي الشامل للفنان في «المتحف الوطني للفن في واشنطن»، في الذكرى الـ500 لميلاد الفنان في عام 2019.

وسيُعرض الفيلم في الصالات الإيطالية نهاية شهر فبراير 2020، ليوزّع فيما بعد في أرجاء العالم.

15