تينيسي ويليامز: القردة سترث الأرض

الخميس 2014/11/06
تينيسي ويليامز كاتب تطارده كوابيس طفولته فيمتح من ماء بئرها الآسن والأسود

أعمال ويليامز لا يمكن التوقف عند معانيها مرة واحدة ولا تقتصر دروسها على زمن معين.

أصدرت دار نشر بلومزبري في 784 صفحة، سيرة ذاتية جديدة عن الكاتب المسرحي الأميركي تينيسي وليامز، بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود على موته، وهي من تأليف الكاتب والناقد الشهير جون لاهر، وقد سبق أن كتب عن حياة وليامز الكثير من كتب السير، لذلك قد يعدّ هذا الكتاب حدثا ثقافيا عارضا، بل يحق لمن يقرأه، أو من يسمع حتى عن صدوره، من هكذا كاتب وناقد مرموق أن يتساءل: ما الذي ستقوله سيرة ذاتية جديدة عن شخصية تاريخها الشخصي حصد إجماعا عاما، فهو كاتب شغل الحياة الثقافية في العالم عرضا وطولا.

تينيسي ويليامز ليس قائدا عسكريا كداريوش، الإسكندر، بطرس الأكبر أو نابليون، ممن غيّروا تاريخ العالم، مع ذلك فهو ليس شخصية عارضة، إنه تينيسي وليامز، الذي قال عنه آرثر ميلر إن أعماله تشكل ثورة في المسرح العالمي.


حياة ميلودرامية


عندما عرضت مسرحيته التماثيل الزجاجية عام 1945، رفعت الستارة 24 مرة، كان الجمهور في كل مرة يطالب فيها برؤية المؤلف. لم يكن الجمهور يدرك أن هذا الكاتب كان يمتح من ماء بئر طفولته الآسن والأسود، إذ يبين الكاتب المعارك التي دارت داخل أربعة جدران، وكيف صيّرت تلك المشاحنات الدائمة الطفل توماس كارها لواقعه المرير، حيث بدأ يسقي نفسه جرعات رومانسية عن طريق الكتابة، التي كانت تعكس كيف كان مطاردا من كوابيس طفولته التي جعلته أسيرا لها. فما كان منه إلا أن يقدم على فكّ أسره منها بإنتاج أعمال خالدة “قطة على سطح صفيح ساخن”، “عربة اسمها الرغبة”، “صيف ودخان”، “ليلة الإغوانا”، إلخ.. أعمال لا يمكن التوقف عند معانيها مرة واحدة، ولا تقتصر دروسها على زمن معين.

كتابة تينيسي ويليامز مثل الفسفور تشع في اللحظة التي يروج فيها اعتقاد بأن وهجها قد خبا وتلاشى

إنها من النوع الذي قال عن أمثالها رولان بارت في الكتابة تحت درجة الصفر، إنها مثل الفسفور تشع في اللحظة التي يروج فيها اعتقاد أن وهجها قد خبا وتلاشى. سيجد كل من لديه القدرة على إدراك وجود بنى تختبئ خلف أعمال هذا الكاتب، أن عقله سيتعقب المعاني وصداها داخل البيت الذي عاش فيه الكاتب، وفي المجتمع الذي نشأ فيه. وكما يقول مفكرو البنيوية بوجود شبكة معقدة من البنى تتوارى خلف النصوص العظيمة، التي تشبه قارة تفتتحها قراءات وزوايا نظر مختلفة. هكذا هم الكتاب العظماء، وتينيسي وليامز في مقدمتهم، لا ينتهي الجدل حول الجانب الشخصي من إبداعاتهم بموتهم. فهو كالشخصيات التوراتية لها عمر مسرف في الطول، والتي تعطي لقارئها أقصى حرية في التأويل.

كتب السير العظيمة هي تلك التي ينفق عليها مؤلفوها زمنا طويلا لمعرفة الشخصية، التي تختبئ وراء أعمالها. هذا الكتاب عن تينيسي وليامز الذي ولد في مدينة كولومبس بولاية المسيسيبي عام 1911، والذي أجبره والده على ترك الدراسة في الجامعة كي يعمل بائع أحذية، لكنه عاد إلى جامعة أوهايو ليتخرج منها. توفي في عام 1983، تاركا وراءه 25 مسرحية وروايتين وقصصا قصيرة وقصائد شعرية.


الكتابة علاج


ظل كاتب السيرة مبهورا بأعمال تينيسي، درس كل أرشيفه لسنوات عديدة، ابتدأت في عام 1999، حيث توصل إلى نتائج مهمة وموثقة عن ميلودرامية حياته التي انعكست على مسرحياته، مبينا أن الكتابة لديه طريقة لتنقية النفس من كدرها وآلامها، فهي -أي كتاباته- ليست غير وسيلة لعرض تلك البقع عن طريق الكتابة عمّن تسبّبوا فيها.

أعمال ويليامز لا يمكن التوقف عند معانيها مرة واحدة ولا تقتصر دروسها على زمن معين.

تأتي الأم “مس أدونيا” في مقدمتهم، والتي تشبه وحشا يرمي نارا على أفراد عائلته قبل افتراسهم، ثم الأب الذي عوّض عن فشله وإحباطاته بمعاقرة الخمرة وممارسة العنف البيتي. هاتان الشخصيتان أنتجتا طبعة مشوهة من أطفال تعرضت حياتهم للتلف، وهي داخل البيت، فالأخت التي تعلّق تينيسي بها كتعويض عن الأم، كانت مصابة بالشيزوفرينيا والهلوسة، فخضعت لعملية جراحية (لوبوتومي) لإزالة ذلك الجزء من المخ المسؤول عن ذلك المرض، ثم الأخ ديكن الذي دخل مستشفى الأمراض العقلية، فقام كرد فعل على الجحيم العائلي بتخفيض تواجده إلى أدنى حدّ، حتى بات مثل حيوان في سبات دائم، أي شخصية سلبية تماما لا تؤدّي أي دور إيجابي.

في حين -كما بيّن المؤلف- أن الشخص الوحيد الذي كان عليه أن يعالج نفسيا هي الأم التي دفعت ابنتها إلى عملية إزالة الجانب الأمامي من المخ، لأنها الطريقة الوحيدة للتخلص من هلوستها وهذياناتها في البيت، ثم تينيسي نفسه الذي كان خائفا من الرعب الذي مارسته الأم المهووسة بالمذهب الطهوري، والتي منعت زوجها من النوم معها، ودفعت أطفالها إلى كراهية الجسد، مما جعل تينيسي يوجّه كراهيته نحو جسده، مهملا متطلباته العاطفية، حتى أنه لم يمارس العادة السرية حتى سنّ السادسة والعشرين، كي يكتشف أنه شاذ جنسيا.

نشأ تينيسي عدائيا ومتقلب المزاج فاتجه نحو المخدرات، ولكي يجعل حياته تستمرّ انغمس في العمل الإبداعي، فكانت أعماله نتاجا لهشاشته الشخصية المترافقة مع كآبة حادّة، فكان مثل شخص يتغذى على خيباته و أمراضه كي ينتج أعمالا عظيمة، وكأنه لم يكن قادرا على مجابهة عسف أمه إلا بالسيطرة عليها، والانتقام منها عن طريق تحويلها إلى شخصية مسرحية، حتى أنه قام بتحويل اسمه من توماس إلى تينيسي، ليتخلص من مخلّفات تاريخ ذلك الاسم. أعماله تعبّر عنها العبارة التي كان تينيسي يرددها “القردة سترث الأرض” أي أن المشكلات النفسية تجعل من الفرد غير قادر على التكيف الناجح، فيغدو أشبه بحيوان عديم الحساسية، وكي لا يكون كذلك عليه ممارسة الكتابة كضرب من العلاج النفسي.

ذلك ما تصوّره مسرحية “تماثيل الوحوش الزجاجية”، وهي قصة عائلة صغيرة تعيش في عالم مغلق بشقة صغيرة؛ أم مكافحة وابنتها العرجاء الخجولة. تدفع الأم بابنها لكي يجد عروسا لأخته، الأم هي تصوير لشخصية أمه، التي تظهر تحت اسم أماندا وابنتها (أخت تينيسي) لورا العرجاء، التي تهرب من عاهتها وواقعها القاسي فتقوم بتجميع حيوانات زجاجية، لتصبح هي جزءا من تلك الحيوانات.

سيرة ذاتية على قارئها أن يتسلح بالصبر كي يصل إلى المقطع الذي يعرض فيه الكاتب مصير تينيسي وليامز

ثم جاءت مسرحيته الشهيرة “عربة اسمها الرغبة”، التي كان التركيز فيها على دور الرغبات والحاجات وخصوصا العاطفية في تقرير مصير المرء الذي يتخذ مصيره الخاص تبعا لمالك العربة، وقد وجد فيها إيليا كازان فتحا عبقريا، فحوّلها إلى فيلم يحمل نفس العنوان، نال به جائزة وجلب لمارلون براندو الشهرة.

ثم مسرحية “قطة على سطح صفيح ساخن”، التي هي -كما قال الكاتب- عملية لتقطيع أجزاء جسده وعرضها أمام الجمهور. وتعاني شخصياتها من اليأس والفشل وغياب القيم، حتى باتت أشبه بقطط تتقافز على سطح ساخن.

هذه هي السيرة الذاتية، وعلى قارئها أن يتسلح بالصبر كي يصل إلى المقطع الذي يعرض فيه الكاتب مصير تينيسي نفسه، الذي كان ينشد الراحة من حياة تعِسة، عندما وجدوه ميتا في أحد الفنادق مع لافتة على الباب تقول: “أرجو عدم الإزعاج”.

15