تين مرسى مطروح الاقتصاد الرسمي لفقراء صحراء مصر الغربية

احتفى المصريون القدامى بفاكهة التين فرسموا شجرتها على جدران معابدهم، ومازال المزارعون في محافظة مرسى مطروح يعتمدون عليها كمصدر رزق رئيسي ليحقق الواحد منهم دخلا سنويا يصل إلى حوالي ألفي دولار، إن كانت مزرعته نصف فدان، وتفننوا في الاهتمام بها حتى أن بعضهم يضع نقطة أو نقطتين من زيت الزيتون الأصلي على حبة التين ليساعد على سرعة نضج الفاكهة.
الثلاثاء 2016/09/27
موسم جني الأرباح

مرسى مطروح (مصر) - مع بزوغ شمس كل يوم، وبمجرد ظهور ضوء النهار، يصطحب خالد محمد أبناءه الثلاثة إلى مزرعة التين التي يمتلكها على جانب طريق مرسى مطروح – السلوم (600 كيلومتر من القاهرة)، لجني ثمار التين التي أصبحت جاهزة للقطف، بعدما تتحول من اللون الأخضر إلى البني الداكن، ويظل على هذه الحال طوال فصل الصيف، ابتداء من شهر يونيو وحتى نهاية سبتمبر من كل عام.

وسط أشجار التين، يتجول الأب خالد الذي يكسو وجهه اللون الغامق من شدة حرارة شمس الصحراء، ليبحث عن أي ثمرة بنيّة اللون، حيث يبدأ يومه من السادسة وحتى الثامنة صباحا، بينما يقوم أبناؤه الثلاثة بتصفيف ثمار التين التي قطفها الأب بشكل متناسق، في صناديق لا يسع كل منها أكثر من خمسة كيلوغرامات.

يحصد خالد كل يوم نحو 50 كيلوغراما من ثمار التين، يعتمد في بيعها على الوقوف على جانبي الطريق تحت حرارة الشمس، ليشتري منه أصحاب السيارات التي تمر بالطريق الواقع بين مرسى مطروح ومدينة السلوم الحدودية مع ليبيا، وتكون ثمار التين طازجة، إذ أنها قطفت للتو من المزرعة، وتباع بسعر أقل من أسعار الأسواق المنتشرة في المحافظة.

ولا يختلف حال باقي أصحاب مزارع التين في صحراء مصر الغربية، عن خالد وأبنائه، الجميع يستيقظون مبكرا وينتشرون في مزارعهم بين الأشجار، لأن جني ثمار التين يحتاج إلى جو رطب لم يشهد حرارة الشمس بعد، حتى لا تتعرض الثمرات للهلاك عند قطفها من الشجرة، فضلا عن أنها تبقى في وضع أفضل بسبب تبللها بالندى معظم أيام الموسم.

ويعتمد خالد (50 عاما) على مياه الأمطار التي تنزل خلال فصل الشتاء في زراعة التين، حيث تتمركز المياه في المنطقة المنخفضة من الأرض، وتقع على جانبي الطريق الذي يقطع صحراء مطروح إلى نصفين، وأمام كل منزل يقوم صاحبه بزراعة التين، وخلال عامين أو ثلاثة يبدأ جني الثمار.

التين "المطروحي" من أجود أنواع التين في مصر، ويختلف في جودته ومذاقه عن ذلك الذي تتم زراعته في أي محافظة أخرى

قال خالد لـ”العرب”، “إن أكثرية السكان الفقراء في صحراء مصر الغربية، بمحافظة مرسى مطروح، يعتبرون زراعة أشجار التين الاقتصاد الرسمي الأهم بالنسبة إليهم، ولا تكلفهم زراعتها مبالغ مالية كبيرة، خاصة وأنهم يعتمدون على مياه الأمطار فقط”.

المتبع عند الكثير من أصحاب مزارع التين في صحراء مصر، أنهم يستغلون المبالغ التي يجمعونها من بيع ثمار التين خلال فصل الصيف، لشراء الأغنام والعمل بمهنة الرعي باقي شهور العام، أو الإنفاق منها وشراء متطلبات الحياة اليومية طوال السنة، فالتين يمثل رأس المال الوحيد لعدد كبير من السكان الفقراء بالمناطق الصحراوية في مرسى مطروح.

ويعتبر التين “المطروحي” أجود أنواع التين في مصر، ويختلف في جودته ومذاقه عن ذلك الذي تتم زراعته في أي محافظة أخرى، حتى أصبح يتم تصديره إلى عدد من الدول الخليجية والأوروبية، مثل الإمارات وإيطاليا، من خلال حاويات تبريد لنقل المحصول، التي تحتفظ بالبرودة لمدة قد تصل إلى 60 يوما.

وتزرع أشجار التين غالبا في المنطقة المعتدلة الدافئة متوسطة الحجم، وقد عرفت مصر هذه الزراعة منذ عهد قدماء المصريين، حيث وجدت صور من أشجار التين وثماره على البعض من جدران معابدهم ومقابرهم الفرعونية، وتنتشر زراعته في منطقة الساحل الشمالي الغربي ومرسى مطروح، وكذلك في شمال سيناء والبعض من مناطق الوادي، ويمثل أحد المحاصيل التي تحتل مكانة رئيسية في مشاريع التوسع بالأراضي الصحراوية.

وأكد محمد عجوان، صاحب مزرعة للتين بالقرب من مدينة السلوم الحدودية، أن شجرة التين تزرع في إحدى فترتين؛ إما في بداية شهر فبراير، حيث يؤخذ غصن من شجرة تين معمرة، وإما في بداية فصل الشتاء من كل عام، ويسمى هذا النوع “تين شرّيبي” لأنه يشرب أو يُسقى بالماء، حيث تشكل مياه الأمطار العامل الأساسي لنمو هذا النوع.

فاكهة لا يفوتها المصريون

ويستغرق الغصن المزروع في صحراء مطروح بين 3 إلى 5 سنوات لتنضج ثماره، وهي مدة قصيرة، إذا قورنت بالفترة التي تحتاجها شجرة الزيتون التي تشتهر بها أيضا محافظة مرسى مطروح لتنضج ثمارها.

ولا يحتاج عجوان في زراعة التين، عندما يريد توسيع مزرعته، إلا إلى قطع عُرف أو غُصن قبل ظهور اللون الأخضر أو نمو الأوراق الصغيرة في الشجرة، ويقوم بزراعته في تربة رملية أو طينية، ثم يتركه يسقى من مياه الأمطار، أو يسقيه بنفسه إلى حين هطول الأمطار.

والتين في مطروح أنواعه مختلفة، منها الشحيمي والحلاوي، وفي البعض من المناطق الصحراوية هناك أنواع من التين تنمو دون الحاجة للمياه، مثل السوادي، والبياضي، كما أن هناك أنواعا أخرى لا يمكن أن تنمو وتثمر دون ماء، مثل نوعي العجلوني والموازي.

وكشف محمد عجوان لـ”العرب” أن البعض من أصحاب مزارع التين يضعون قطرة أو قطرتين من زيت الزيتون الأصلي، الذي ينتج في صحراء مطروح، على حبة التين قبل نضجها، ما يساعد على سرعة النضج، لا سيما إذا كانت أسعار التين مرتفعة في وقت معين، وبالتالي تزيد معدلات الإنتاج، ويتحول التين الأخضر إلى ناضج بلونه البني الداكن، ولا تتجاوز الفترة بين وضع الزيت حتى قطف الثمار أكثر من 3 أيام.

وتمثل كثرة هطول مياه الأمطار، لمزارعي التين في صحراء مرسى مطروح، الوسيلة الوحيدة لزيادة إنتاج المحصول، لأن الأشجار تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه سنويا خلال فصل الشتاء، وكلما تكون كميات الأمطار كبيرة وطالت مدة هطولها في الشتاء، كلما كانت إنتاجية الأشجار أكثر من السنوات التي ينخفض فيها هطول الأمطار.

ويلجأ البعض من أصحاب مزارع التين للاستغناء عن بيعه في الأسواق، خلال موسم الصيف، أو وقت جنيه، لتحقيــق مكاسب أكبر عن طريق تجفيفــه ثم بيعه في شهر رمضان من كل عام، حيث تكون أسعاره مضاعفــة، فيقـــوم المزارع بجني التين ووضعـــه في مكان معين ليصبح مجففا، ويدخل ضمن المكسرات.

20