تيه تاريخي خارق للطبيعة في رواية تفوز بجائزة مان بوكر

احتفت جائزة مان بوكر العريقة هذا العام بالرواية التاريخية التي تستلهم حادثة تبدو هامشية نسبيا في حياة واحد من أشهر الرؤساء الأميركيين، ليقدم الروائي جورج ساندرز من خلالها عالما يجمع بين الروحانية والعواطف.
الخميس 2017/10/19
كاتب ذكي أسقط الموت على الحياة والماضي على الحاضر

فاز القاص الأميركي المخضرم جورج ساندرز (58 عاماً) بجائزة مان بوكر البريطانية المرموقة لعام 2017 عن روايته الأولى “لينكولن ما بين الموت والانبعاث” عقب العشرات من القصص القصيرة التي ألَّفها وفازت بتقدير نقدي واسع في الولايات المتحدة الأميركية، منها مجموعته القصصية “العاشر من ديسمبر” الحائزة على جائزة فوليو و”جائزة القصة” العالمية.

عصي
جورج ساندرز

في ليلة عيد الشُّكر من كلّ عام، كنّا نتقاطر خلف والدنا وهو يجر بزّة “سَانْتَا” إلى الطريق، ثم يُجلّلها فوق صليب كان يشيّده من سارية معدنية في الباحة. كانت السارية، في أسبوع “نهائيّات كرة القدم الأميركية”، ترتدي قميصًا رياضيًّا، وخوذة “رود”. كان يتوجب على “رود” تسوية الأمر مع والده إن رغب في خلع الخوذة عن السارية. وفي الرابع من يوليو، كانت السارية هي “العمّ سام”، وجنديًا في يوم “المحاربين القدماء”، وشبحًا في “الهالويين”. كانت السارية امتياز أبي الوحيد في البهجة. كان يسمح لنا أن نأخذ قلم “كرايولّا” واحدًا من الصندوق في كلّ مرة. وفي إحدى عشيّات عيد الميلاد، صرخ على “كيمي” لتبديدها شرحة تفاح واحدة. حام فوقنا ونحن نسكب صلصة الطماطم، قائلاً “كفى، كفى، كفى”. كانت حفلات أعياد ميلادنا (الشخصيّة) تقتصر على الكعك، ولا بوظة قطّ. وفي المرة الأولى التي أحضرت فيها صديقتي إلى البيت، في أول موعد غرامي بيننا، قالت “ما خَطْب أبيك وتلك السارية؟” فجلستُ هناك مطرقًا رامش العينين.

تركنا البيت، تزوجنا، أنجبنا أطفالًا، ثم وجدنا بذور الخسّة تتفتح في دواخلنا. أخذ أبي يكسو السارية على نحو أكثر تعقيدًا وأقلّ منطقية. كان قد جلّلها ببعض الفراء في “يوم مرموط الجبل”، ثم دلّى كشافًا لتوفير الظلال من حولها. وحين ضربت “تشيلي” هزة أرضية، مدّد السارية على جنبها، ثم رشَّ صدعًا بالألوان في الأرض. ماتت أمي، فألبس السارية كأنها “الموت”، ثم دلّى من العمود المتصالب صورًا لأمي وهي طفلة صغيرة. كنا نمرّ به، فنجد طلاسم غريبة من أيّام صباه موزعة حول القاعدة: أوسمة عسكرية، تذاكر سينما، وقمصانًا عتيقة، وعلب ماكياج أمّنا. وذات خريف، دهن السارية بالأصفر البرّاق. غطاها بمزق قطنية في ذلك الشتاء من أجل الدفء، ثم دق ست عصيّ متصالبة حول الباحة كأنها سلالة السارية. أجرى أطوالًا من خيوط بين السارية والعصيّ، ثم لزق بالخيط رسائل اعتذار، واعترافات بالأخطاء، والتماسات للتفهّم والتقدير، كلها مكتوبة بيد متوترة على بطاقات فهرسة. طلى لافتة “حُبّ” وعلقها على السارية، وأخرى تقول “سامحوني؟”، ثم مات في الرواق والراديو مفتوح. بعنا البيت لزوجين يافعين اجتثّا السارية، ثم ألقيا بها على جانب الطريق في يوم التخلص من النفايات.

ترجمة: تحسين الخطيب

القصة المترجمة، هنا، مختارة من مجموعته القصصية “العاشر من ديسمبر” (2013)، والتي فازت بجائزة “القصّة” الأميركية في العام 2013، وبجائزة “فوليو” البريطانية في العام 2014.

أكد ساندرز في معرض تلقيه للجائزة أن الاعتراف بالكاتب جزء لا يتجرأ من مهنة الكتابة وأمر بالغ الأهمية لتطور الحرفة ذاتها “وإن بدا الأمر مثيراً للشفقة قليلاً”.

وكانت رئيسة لجنة التحكيم البارونة لولا يونغ قد أعلنت أن الاختيار استنزف قواهم وتطلب الكثير من الجدل بين الأصوات المؤيدة وتلك المعارضة وفي النهاية قدر هائل من “الموائمات التي دمعت لها أعيننا”.

وأضافت أن ما ميَّز رواية ساندرز “مادتها الخام المبتكرة الذكية الملهبة للمشاعر”، حتى إن أحد الحكام نعتها بـ”الألعاب النارية التي تنير السماء وتحثك على إعادة تأمل حقائق يومية كالموت والأسى والحرمان من الطفل وتصالُح الفرد مع نطاقه الخاص وفكرة الفناء، ولا سيما فناء الأحباء”.

الحق أن الكاتب قد كشف بعد فوزه بالجائزة أن رعباً أصابه بعد كتابة ثلث الرواية ودب في قلبه الشك إن كان “أي إنسان بإمكانه قراءتها”. ولكن زوجته كتبت له أن “شيئاً يتجلى به كل هذا النبل سوف يظل سراً إلى الأبد” مما ضخ فيه شحنة من الثقة للاستمرار في الكتابة.

وعلى الرغم ما في الرواية من ابتكار لا ريب فيه حتى إن الناقدة البريطانية ريبيكا جونز وعدت القراء بأنهم لم ولن يطالعوا كتابا مثل هذا الكتاب، جاءت ريبة ساندرز لتؤطر بنية الرواية المضطربة ما بين الأحداث التاريخية التي حرص ساندرز ألا يتلاعب بها، وبين خطاب كرنفالي متنوع الأصوات يبدو عصرياً لا ينتمي بالمرة إلى القرن التاسع عشر.

ولأنه قضى عشرين عاماً يهضم تيارات هذه الرواية ويخطط لشبكاتها المتضاربة، سألته قناة بي بي سي عن سبب تأخرها طيلة عقدين، فأجاب بأن قصصه “ترزح في السواد وتدل على التشاؤم كما تحفل بالخيال العلمي، ولم أجد سبيلاً مقنعاً لخوض هذه المادة المتسمة بالجد والواقعية”.

لعل هذا ما جعل الرواية تجريبية الطابع في مجملها، تتعدد فيها أصوات الرواة وتستدعي فن الملصقات، ولكن في صورة سردية يشوبها التفكيك وشي من الإغراق في العاطفة.

وقد اعترف الكاتب ضاحكاً بأن السبب الوحيد الذي دفعه إلى اختلاق كل هذه الشخصيات هو “خلو أي مقبرة ليلا من الناس عدا حفاري القبور!”.

وتتألف تلك الجوقة من مئة وستة وستين من الأصوات المترددة بين جنبات المقبرة المظلمة الذين أحياهم القدر مجازا ليرددوا تجاربهم الإنسانية وآراءهم السياسية، منعكسة في نسقها المتسارع وسماتها المختلطة على الحالة السياسية للدولة التي قادها البطل حينذاك وكذلك الدولة الأميركية المعاصرة.

أب ملكوم

تجري وقائع الرواية في عام 1862 وتجمع بين التأريخ والمرثاة لابن واحد من أعظم الرؤساء الأميركيين ولأمة مكلومة لعلها تُسجل مصيرها النهائي من خلال ممارساتها المعيوبة للعملية الديمقراطية.

ويتحدث النص عن رحلة واقعية خاضها الرئيس الأميركي الراحل أبراهام لينكولن مع الأسى ومعاناته الأليمة حين مات ابنه ويلي البالغ من العمر 11 عاماً.

في سرداب من المرمر تحت كنيسة كان مدفن الصبي. وبعد يومين من دفنه يتسلل الأب وحيداً والحزن يمزق أحشاءه تحت ستر الليل ليزور الميت بحثاً عن أنيس يتخاطب معه في أمور السياسة والكون.

سوف يتوقف القارئ عند اختلاط التراجيديا الحياتية للأب بحياته العامة كرئيس دولة تخوض حرباً شرسة، باعتباره رجلاً حرض على اشتعال الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب “المتمسك بتجارة العبيد تمسكه بالحياة ذاتها”.

مقطع من الرواية: ليته قال لي
حط الأب ثغره على أذن تخترقها دودة، “عزيزي ويلي، لقد تبادلنا حبا عميقاً، ولكن الآن، ولأسباب لا يسعني استيعابها، تمزقت تلك الرابطة. ولكن رابطتنا لا يمكن تهشيمها. وسوف تظل معي ما دمت حياً يا بني”. تصاعد من الأب النشيج.

أبي العزيز الباكي. يصعُب عليّ رؤية حالك. ومهما ربت عليك وقبَّلتك وعزيتك، لن يواسيك شيء. رد عليه، لقد كنتَ بهجتي. أرجو أن تتأكد من ذلك. تأكد أنك كنتَ بهجة لنا جميعاً. كل دقيقة، وكل فصل من فصول العام. لقد أبليتَ بلاء حسناً. سعدنا بك كل السعادة.

باح بكل هذا إلى دودة! ليته قاله لي. ليتني شعرتُ بعينيه عليّ. لذا تفكرتُ، حسناً. سوف أسمح له برؤيتي. دلفتُ دون مشقة أو عناء. شعرتُ بأني بخير وكأني أنتمي إلى هذا المكان. وهناك، وهو يعانقني بقوة، كنتُ الآن جزءا من أبي. وبمقدوري الآن أن أدرك تماماً كينونته. هل هذا خطأ؟ إثم؟ لا، لا، إنه ملكي، إنه ملكنا، لذا يجب أن أغدو بهذا المعنى إلهاً.

إنني أتذكره. مرة أخرى. مَن كان. انسلت من ذاكرتي بعض الذكريات بالفعل. ولكنه هنا: جسمه وحجمه هنا، بذلته لا تزال رائحته تفيح منها، ناصيته بين إصبعيّ، ثقله مألوف لي حين كان النعاس يغلبه في الردهة ثم أحمله. إنه سر. ضعفٌ سري قليلاً، يدعمني، وفي دعمه إياي، سيحثني على الأرجح على تأدية واجبي في مناحٍ أخرى؛ تُسرِّع من نهاية هذه الفترة الموسومة بالضعف، لا تُلحق الأذى بشخص، لذا فهي ليست خطأ، وسوف أنتزع من هذا المكان عزمي.

قد أعود إليه وقتما أشاء، دون أن أخبرمخلوقاً، لأقبل أي مساعدة تردني منه إلى أن ينفذ العون. ثم ألمس أبي رأسه برأسي ونبس قائلاً، صبيّي العزيز، أعدك أني سوف أرجع مرة أخرى.

ترجمة: هـالة صلاح الدين

حاضر الخيبة

ينتهي الحال بالأب متدبرا كيف كان للولد أن يصير بعد سنوات أو عقود. هل سيسعد أم سيشقى؟ هل سيطيع والده ويخدم أهله أم يتكبر ويعصي أمر خالقه؟ وبالتيه الخارق للطبيعة المميز لأغلب أعمال ساندرز، يذهب الوالد ويجيء في مقبرة تسودها الأشباح بين من فقد روحه للتو ومن فارقها منذ عقود.

وجميعهم تعساء لعجزهم عن الخلاص من الموت، ولا ملهى لهم إلا قراءة أفكار لينكولن، وهو ما يستحضر قصيدة دانتي “الكوميديا الإلهية” التي جازت البشر أو عاقبتهم وفقاً لما حل عليهم من أمراض أخلاقية.

وهكذا ينتهك الموت أقوى رجل في الأمة انتهاكاً قاسياً فيما تسدد له الحرب التي ألقت بظلالها على كل ركن من أمته الضربات. والرواية تدور كلها في هذه البقعة الموحشة التي تهيم بين جنباتها أرواح تائهة وتنتفض واقعياً على مدار ليلة واحدة لا يقطع خيطها إلا جوقة من الأصوات لا تعي في الحقيقة أنها ميتة يلمها التراب.

يوحي ساندرز الذي تربى كاثوليكيا أن الصبي ليس وحده الواقع في الشرك بين الموت وإعادة البعث، وإنما الأمة الأميركية التي تتجلى اليوم بلا روح ولا استفاقة لها في منطقة رمادية تستدعي ذلك الموطن الإنجيلي الذي تتطهر فيه نفوس الأبرار بعد الموت.

وكلمة Bardo تنتمي إلى اللغة التيبتية وتعني “حالة انتقالية”. وقد تحورت ليصير معناه الفترة الفاصلة بين المولد والموت ثم بين الموت وابتعاث الروح مرة أخرى.

وفي تواصل ذكي بين واقعة تاريخية تعود إلى القرن التاسع عشر والحاضر “الموسوم بالخيبة” كما يسميه الكاتب، يستدعي ساندرز في روايته حال الأمة الأميركية في القرن الحادي والعشرين في انتخابها لرئيس دمَّر أحلامها عبر صندوق الاقتراع، وأطاح بقيم المساواة والعدالة، فكان وكأن الشعب يرقد الآن ما بين قبضة الموت والأمل في الحياة من جديد.

سيطرة أميركية

وجورج ساندرز هو الأميركي الثاني الذي ينال الجائزة بعد فوز رواية “الخيانة” لبول بيتي في العام الماضي مما يؤكد شكوك النقاد البريطانيين من تحول الجائزة بالتدريج إلى منصة لتكريم الأميركيين المتمتعين بسيطرة أعظم بطبيعة الحال على سوق النشر العالمي.

ومن بين الكتب التي رشحت للجائزة كانت رواية “الخريف” للكاتبة الأسكتلندية آلي سميث وتتعاطى فيها مع ما وصفته بكارثة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

ومن بين المتنافسين بقوة أيضا كانت رواية الأميركي بول أوستر الموسومة بـ”4321” التي أشادت لجنة التحكيم “بجلالها”، وهي عن صبي تتشعب حياته في أربعة سبل روائية متفرقة في الوقت ذاته.

كما تحْضر رواية الباكستاني محسن حميد “الخروج من الغرب”، التي تصوب سهام النقد للأوربيين لعدم إبداء التعاطف الكافي مع كارثة اللاجئين من الشرق الأوسط.

وتُمنح جائزة مان بوكر سنوياً لأفضل رواية أصلية، ويتلقى كاتبها 50 ألف جنيهاً إسترلينيا. كانت قواعدها قد تغيرت عام 2014 لتشمل أي رواية مكتوبة بالإنكليزية وصادرة في بريطانيا بغض النظر عن جنسية كاتبها، مما أثار الكثير من الجدل والاستياء بين الأوساط البريطانية، لفتحها الباب على مصراعيه للهيمنة الأميركية على الجائزة التي كانت بريطانية وكومونولثية خالصة منذ تأسيسها عام 1969.

15