تيودور هرتزل والمشروع الصهيوني من حلم إلى حقيقة

الأحد 2014/06/01
هرتزل ترك وصيّة تقول إنه يتحتم نقل رفاته إلى فلسطين

اعتدنا أن نسمع أن وعد بلفور، ثمّ المساعدة المطلقة من جانب الولايات المتحدة الأميركية، وبقيّة الدول الغربية، هما العنصران الأساسيّان اللذان اعتمد عليهما المؤسسون الإسرائيليّون الأوائل لإقامة دولتهم في قلب منطقة الشرق الاوسط، وهذا أمر لا يمكن أن ينكر، غير أن الحيلة التي هي ركن في غاية الأهميّة في عالم السياسة، كما يؤكد على ذلك ميكيافيلي، هي التي ساعدت باعثي المشروع الاستيطاني الصهيوني على النجاح في مهمتهم، وتأسيس دولة إسرائيل وسط “بحر عربي متلاطم الأمواج”.


من فيينا بدأت الأحلام


وفي البداية كان الأمر مجرّد حلم دغدغ قلب واحد اسمه تيودور هرتزل كان قد ولد في مدينة بوداباست في الثاني من شهر مايو- ايار 1860 لأبوين يهوديين من الطبقة الوسطى، وفي سنوات شبابه فتن بالأدب الألماني متمثّلا في غوته. غير أن عائلته أصرّت على إدخاله إلى كلية الحقوق في فيينا التي كانت آنذاك عاصمة الامبراطورية النمساوية – الهنغارية.

وخلال دراسته في هذه المدينة التي كان يعيش فيها عدد كبير من الذين سيصبحون فيما بعد رموزا في الثقافة الغربية الحديثة، انتسب الشاب تيودور هرتزل إلى أكاديمية “لاسيهالي” التي كان مبدؤها: “في هيكل المعرفة المتعبّدون جميعا سواسية”.

ولعلّ أوّل حادث دفع الشاب تيودور هرتزل إلى التفكير في مصير الشعب اليهودي هو ذلك الذي عاشه في شهر مارس- اذار 1883، فقد اتخذ اتحاد الطلبة الألماني من تظاهرة للاحتفاء بذكري الموسيقي الشهير فاغنر مبرّرا لشنّ هجوم على اليهود.

وقد امتدح رئيس الاتحاد المذكور لاسامية فاغنر، وفي الآن نفسه سخر من الموسيقى اليهودية. وقد أثارت تلك الخطبة غضب تيودور هرزل، وانزعاجه لذلك سارع إلى الاستقالة من اتحاد الطلبة. ومنذ ذلك الوقت شرع يفكر جدّيّا في إقامة وطن لليهود المشتتين في جميع أنحاء العالم. ولبلوغ هدفه هذا كان عليه أن يتنقّل كثيرا بين العديد من البلدان.

فكان في باريس في العقد الاخير من القرن التاسع عشر حيث اصطدم بالأفكار المعادية للسامية، والتي برزت بجلاء خلال محاكمة دريفوس، الضابط الفرنسي من أصل يهودي الذي اتهم عام 1885 بالخيانة الوطنية، والذي هبّ لنجدته مثقفون مرموقون في مقدمتهم الروائي الكبير إميل زولا، صاحب الرسالة الشهيرة :”اني اتهم…”.

في فيينا انتسب مؤسس الصهيونية الشاب تيودور هرتزل إلى أكاديمية «لاسيهالي» التي كان مبدؤها 'في هيكل المعرفة المتعبدون جميعا سواسية'

وفي هذه الفترة اتصل هرتزل بالثري اليهودي البارون مورتيزدي هيرش الذي كان قد أسس جمعية سمّاها “جمعية الاستعمار اليهودي” بهدف توطين اليهود الروس في الأرجنتين، محاولا إقناعه بضرورة تشجيع اليهود على الرحيل إلى فلسطين شرط أن تغرس فيهم روح الاستعمار فيذهبون إلى هناك وهم عازمون على القتال لفرض وجودهم. بعدها عرض هرزل على آل روتشيلد الذين كانوا يملكون ثروة طائلة فكرة تأمين وطن لليهود. وفي ذلك كتب يقول: “الكلّ يعلم أن البخار يولد بغلي الماء في غلاية يكفي أن يحرك غطاؤها فقط.

والمشاريع الصهيونية والجمعيّات التي تدور في فلكها ظواهر من نوع غلاية الشاي. لكن إذا ما أحسن استغلال هذه القوة فإن ذلك سيكون كافيا لإدارة محرّك كبير، ونقل الركاب والبضائع، مهما كان نوع المحرّك “. إلاّ أن روتشيلد لم يعر اهتماما كبيرا لفكرة هرتزل. ونفس تلك الفكرة تقبّلها بيسمارك باستخفاف قائلا لمساعده: “ماذا يمكن أن يفعل هذا الرجل الذي لا مال له ولا جيش؟!”. آخرون سخروا من هرزل أيضا معتبرين أن افتكاك ولاية تنتسب إلى الامبراطورية العثمانية، والتي هي فلسطين، ضرب من الجنون. ومجروح الروح، انطلق هرتزل إلى بريطانيا بحثا عن سند. وهناك انفتحت أمامه الأبواب واسعة. وفي لندن عثر بين أهل السلطة على من يعير فكرته آنفة الذكر اهتماما كبيرا.


توجيه الأنظار إلى فلسطين


ففي تلك الأيام كان اليهود يحظون بتقدير كبير في الامبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس. وكان السير صامويل مونتاغ الذي سيصبح في ما بعد لوردا، من أكثر المتحمسين لفكرة هرتزل. وعند استقباله لهذا الأخير، حرّضه على المضيّ قدما في مشروعه بهدف توطين اليهود في فلسطين. ومن لندن توجّه هرزل إلى الأستانة. وفي البداية استقبل استقبالا حارا. فقد كان السلطان عبدالحميد يعتقد أنه بإمكان اليهود أن يفيدوه في مجالات ثلاثة: المجال الأول هو المال بحيث يقدر أغنياء اليهود أن يساعدوا “الباب العالي” على التخلّص من ديونه الثقيلة.

كما انه بإمكان الصحافة التي يهيمن عليها اليهود، أن تعمل على تلميع صورة الامبراطورية العثمانية التي تشوّهت بسب المذابح التي تعرض لها الأرمن، وأيضا بسبب الحروب التي كانت تخوضها في دول البلقان من وقت إلى آخر.

ومن ناحية أخرى بإمكان اليهود بعد أن يستقروا في فلسطين أن يساعدوا “الباب العالي” على مواجهة العرب الثائرين عليه. غير أن السلطان عبدالحميد سرعان ما تراجع عن موقفه لكن بكامل اللطف واللباقة.

ولم يغضب هرتزل ذلك لأنه أدرك وهو يتحدث إلى أهل النفوذ في القسطنطينية أن امبراطورية “الرجل المريض” تعيش حالة تفسّخ، وأن انهيارها الذي بات وشيكا يمكن أن يضمن توطين اليهود في فلسطين.

لم يعر روتشيلد اهتماما كبيرا لفكرة هرتزل، ونفس تلك الفكرة تقبلها بيسمارك باستخفاف قائلا لمساعده: «ماذا يمكن أن يفعل هذا الرجل الذي لا مال له ولا جيش؟!». وآخرون سخروا من هرزل أيضا معتبرين أن افتكاك ولاية تنتسب إلى الامبراطورية العثمانية، والتي هي فلسطين، ضرب من الجنون، فانطلق هرتزل إلى بريطانيا بحثا عن سند. وهناك انفتحت أمامه الأبواب واسعة


هرتزل في القدس


ومن الأستانة توجّه هرتزل إلى مصر، ومنها إلى يافا. وعند وصوله إلى القدس، وضع في مفكرته مشروعا لإعادة بنائها وتنظيمها بحسب ما تقتضيه حياة اليهود عندما يستقرون فيها لتكون عاصمة لدولتهم. بعدها واصل طوافه بين العواصم ولا شيء يشغله غير المشروع المذكور. وهو الذي يتمتع بثقافة واسعة، ويتقن لغات عدّة، ارتبط بعلاقات وثيقة مع شخصيات سياسية نافذة في سياسات بلدانها داخليّا وخارجيّا.

كما تعرف على رجال أعمال يهود يمكن أن تستعمل ثرواتهم لتسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين. ورغم أنه لم يحصل على أيّ ضمان ماديّ فإن هرتزل كان متيقنا من أن مشروعه سيتحقّق ذات يوم.

وكما يقول المؤرخ البريطاني دزموند ستيوارت، كان الكتاب الذي ألّفه، والذي كان بعنوان: “دولة اليهود” حدثا كبيرا بالنسبة إلى منطقة الشرق الأوسط “لا يقلّ أهميّة عن فتح اسماعيل قناة السويس”. وذلك قبل أن يموت، في الثالث من شهر يوليو- تموز 1904.


وصية هرتزل


ترك تيودور هرتزل وصيّة تقول إنه يتحتم نقل رفاته إلى فلسطين عندما يتمكن اليهود من إقامة دولتهم فوق أرضها. وربما كان ذلك الداهية، صاحب الأسلوب المنمق في الكتابة، وفي الحديث قد أدرك قبل أن يرحل عن الدنيا أنه سوف يترك لشعبه حلما يوحد بين أبنائه، ويحولهم إلى قوّة فاعلة على المستوى العالمي.

وبالفعل وجد أحفاد هرتزل وأنصاره في التراث الفكري والسياسي الذي خلّفه ما يمكن أن يحفزهم على مواصلة العمل من أجل تحقيق المشروع الصهيوني مستغلين الصراع بين الدول الكبيرة التي كانت تتقاتل بضراوة من أجل اقتسام النفوذ. وفي أجواء متفجرة للغاية راح أحفاد هرتزل يتحركون في جميع الاتجاهات بحثا عن تأييد سياسي فعلي لما كانوا يخططون لتنفيذه. وفي عام 1912 كتب اليهودي مارتن بوبر يقول: “لن نكتشف أنفسنا حقا إلاّ في آسيا. نحن هنا في أوروبا مثل إسفين دقّته أوروبا في البنيان الأوروبي، وهو شيء يثير القلق والاضطراب. علينا أن نعود إلى قلب آسيا، وأن نعود في الوقت ذاته إلى المعنى الحقيقي لرسالتنا ومصيرنا ووجودنا”.

وقد شاعت هذه الكلمات الحارة في العديد من البلدان الأوروبية، وانتشرت بين اليهود. وكان البولونيون هم أوّل من تقبّلها بحماس فيّاض إذ انهم كانوا يرغبون في التخلص من اليهود الذين كانوا ينافسونهم في العمل.

ولما اندلعت الحرب العالمية الأولى، بدأت روسيا تغرق في الوحل. وبسبب تكثيف أحفاد هرتزل للدعاية الصهيونية بين أوساط اليهود، انزعجت سلطات موسكو معتبرة ذلك خطرا على أمنها. لذا شنّت حملة واسعة النطاق ضدّ النشطاء الصهاينة. وفي ظرف زمني قصير، قامت بطرد ما يقارب المليون يهودي من أراضيها. وقد وجدت ألمانيا في ذلك فرصة للانتقام من روسيا. وعندما علمت أن الولايات المتحدة الأميركية انضمت إلى الحلفاء، سارعت باعتبار السلوك الروسي سلوكا مشينا، داعية الصحافيين الأميركيين للتنديد بذلك.

اتصل هرتزل بالثري اليهودي البارون هيرش الذي كان قد أسس جمعية سماها «جمعية الاستعمار اليهودي» بهدف توطين اليهود الروس في الأرجنتين، محاولا اقناعه بضرورة تشجيع اليهود على الرحيل إلى فلسطين شرط أن تغرس فيهم روح الاستعمار فيذهبون إلى هناك وهم عازمون على القتال لفرض وجودهم. بعدها عرض هرتزل على آل روتشيلد الذين كانوا يملكون ثروة طائلة فكرة تأمين وطن لليهود


خليفة هرتزل حاييم وايزمن


وفي فترة العواصف والتقلبات التي كان يواجهها العالم في تلك الفترة، برز من سيخلف هرتزل عن جدارة. وهو يدعى حاييم وايزمن. وقد ولد في مدينة منسك الروسية. وهو ينتمي إلى عائلة مثقفة كانت تمتلك مكتبة ثريّة. كما أن أفرادها كانوا يتكلمون عدة لغات.

وغالبا ما كان هؤلاء يثيرون خلال المناقشات التي تدور بينهم موضوع حياة اليهود في ظلّ الحكم القيصري. ومن المؤكد أن حاييم وايزمن تأثر بكلّ ذلك طفلا ثم شابّا. وكان دائم الخلاف مع أخيه شمويل.

فقد كان هذا الأخير يرى أنه على اليهود البقاء في روسيا رغم المظالم المسلّطة عليهم. أما هو، أي حاييم فقد كان مؤمنا بأنه لا حلّ آخر غير هجرة اليهود إلى فلسطين. وعندما يشتدّ الخلاف بين الأخوين، تتدخل الأم لتقول: “مهما حدث سأكون بخير… إذا كان شمويل على صواب بقينا في روسيا.. وإذا كان حاييم على صواب ذهبنا إلى فلسطين!”.

وخلافا لأخيه شمويل الذي فضل الانتساب إلى الجامعات الروسية، انطلق الشاب حاييم إلى ألمانيا بحثا عن آفاق آخرى معتبرا أن الدراسة في البلد الذي ولد فيه وفيه نشأ، عبارة عن “مذلّة يوميّة”. ومن ألمانيا توجّه إلى بريطانيا. وهناك اكتشف أن هذا البلد هو المؤهّل أكثر من غيره لإنجاز المشروع الصهيوني. لذلك شرع في ربط علاقات بأهل النفوذ في لندن.

ورغم أن بلفور لم يكن يكنّ احتراما كبيرا لليهود، فان حاييم وايزمن تمكن من إقناعه بإحياء المشروع العبراني القديم. ولعل بلفور تقبل المشروع لأنه رأى فيه طريقة للتنقيص من عدد اليهود الذين يعيشون في بلاده. كما أنه سيسهل على بريطانيا حماية قناة السويس، والمرور إلى العراق التي أصبحت قبلة القوى الامبريالية بسبب ثروتها النفطية الهائلة. لذلك بعث في الثاني من شهر نوفمبر- تشرين الثاني 1917 رسالة إلى اللورد روتشيلد يقول فيها إن حكومة صاحب الجلالة “تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وأنها ستبذل جهدها لتسهيل هذه الغاية”.

10