"تي جي إم" رحلة يومية تختزل تاريخ تونس

تعترض لوحة معلقة على جدار محطة “تونس البحرية”، كتب عليها “مسافر زاده الكتاب”، المسافرين المتوجهين نحو الضاحية الشمالية للعاصمة التونسية، للفت انتباههم أنه بإمكانهم اقتناء أو استعارة كتاب لمطالعته خلال رحلتهم على متن قطار “تي جي إم” أعرق قطارات تونس.
الثلاثاء 2017/02/21
قطار فتح صفحة جديدة لتاريخ النقل في تونس

تونس- يخيم السكون على محطة تونس البحرية صباحا، لينطلق صوت مفاجئ معلنا دويّه دخول قطار “تي. جي. إم”، أعرق قطارات البلاد، فتنشط الحركة في المحطّة ويهرع الركاب لحجز المقاعد. ويربط قطار “تي.جي.إم” العاصمة تونس (من نهاية شارع الحبيب بورقيبة) بالضاحية الشمالية، على مسافة تقارب 20 كيلومترا، فيحمل على متنه وبين سككه ذكريات وتاريخا عريقا.

وتأخذ سكة الحديد تلك يوميا ركابها في رحلة عبر الزمن بدأت أولى سفراتها منذ قرن ونصف القرن، عندما دشنها باي تونس (أحد حكام تونس زمن الملوكية) محمد الصادق باي العام 1872 لتكون أول سكة حديد في تاريخ البلاد. وتشق السكة بحيرة تونس وتعبر بجانب ضفاف البحر المتوسط في ضاحية سيدي بوسعيد الشهيرة، مرورا بآثار الحضارة القرطاجية ومسرحها الأثري وبقايا مملكة عليسة الفينيقية وقصور الرئاسة وأعيان البلاد.

مكتبة خاصة بالمسافرين

و”تي. جي. إم” هي أحرف فرنسية “TGM” تختصر أسماء مدن تونس، حلق الوادي، والمرسى (التابعة لولاية تونس) وهي أبرز المحطات التي يمر بها القطار. وتصل قيمة تذكرة السفر على القطار لمسافة كاملة أقل من نصف دولار، وتقل القيمة في حال المسافة الأقل. ويقول علي التاجوري، أحد متقاعدي شركة نقل تونس (حكومية) “فتح قطار ‘تي. جي. إم’ صفحة جديدة في تاريخ النقل ببلادنا”.

ويضيف التاجوري “هذا القطار يحاكي عمري بأكمله. فهو يعيدني إلى أيام طفولتي، فوالدي كان يعمل فيه وأذكر جيدا عندما كانت أمي تأخذني وإخوتي على متنه للتنزه أو لقضاء بعض الشؤون”. ويروي التاجوري، (65 عاما)، والذي قضى أكثر من 35 سنة في خدمة ركاب القطار، قصته مع القطار بقوله “كان أغلب ركابه من بين الأوروبيين ومعظمهم من الفرنسيين الذين يسكنون في المرسى وسيدي بوسعيد وحلق الوادي، فقد كانوا يختارون التنقل على متنه بدلا من سياراتهم الفاخرَة، لقد كان لهم عشق خاص له. هو بالنسبة إليهم رمز الضاحية الشمالية لتونس العاصمة”.

ويتابع “أتذكر جيدا أنه بالقرب من كراسي الركاب كانت توضع مرآة كبيرة، فكلما حان وقت النزول، رأيت أحدهم يتهيأ لذلك بالنظر إلى ربطة عنقه، جبّته وقُفته”. وبعبارات من الحسرة يكمل التاجوري “من خصوصيات قطار الضاحية الشمالية أن جميع ركابه كانوا يعرفون بعضهم البعض. أما اليوم فالزمن تغير والأشخاص تغيروا والعادات كذلك”.

ومن بين المسافرين الذين يخيرون قطار “تي جي إم” عن باقي وسائل النقل العمومي في تونس، سفيرة كندا بتونس كارول ماكوين التي نشرت في شهر سبتمبر الماضي تدوينة لها على الصفحة الرسمية لسفارة كندا بتونس تشجع فيها التونسيين والسياح على تجربة السفر على متنه.

وأشارت ماكوين إلى أنها استمتعت صحبة بناتها بتجربة وسائل النقل العمومي وكتبت “إن خط تونس البحرية أسرع طريقة للوصول إلى وسط مدينة تونس″، مرفقة صورا مع بناتها في إحدى محطات القطار. واستخدم قطار “تي جي إم” في تصوير فيلم تونسي بعنوان “صيف حلق الوادي” سنة 1996، والذّي دارت أحداثه في مدينة حلق الوادي بالضاحية الشمالية صيف 1967، وشارك في بطولته الممثل المصري جميل راتب والتونسي مصطفى العدواني.

وما يلفت انتباه مسافري محطة تونس البحرية هو تجهيزها بمكتبة عامة تضم قرابة 650 كتابا باللغتين العربية والفرنسية في مجالات الرواية والعلوم الإنسانية، حيث يمكن للمسافر أخذ مؤلف لمدة أسبوع مقابل ترك نسخة من بطاقة التعريف الوطنية (هوية) حتى يكون الكتاب زاده طيلة رحلته. وتهدف هذه الخطة، التي تقوم عليها وزارتا النقل والثقافة والمحافظة على التراث في تونس، إلى التشجيع على المطالعة في وقت هجر فيه الكتاب على حساب الوسائط والتكنولوجيا الحديثة.

وتعود فكرة إنشاء المكتبة إلى اقتراح تقدم به موظف بشركة نقل تونس، فلاقت فكرته استحسان الإدارة ليتم إنشاء المكتبة وقد تم تدشينها العام الماضي. ويقول المسؤولون عن المكتبة إن الفكرة سيتم تعميمها تدريجيا ببقية محطات القطار في عدة محافظات تونسية مستقبلا، وسيقع إثراؤها بكتب أخرى تخص الأطفال والعديد من الاختصاصات الأخرى.

وتقول خديجة محجوب، معلمة متقاعدة في الستينات من عمرها، جلست تطالع كتابا باللغة الفرنسية، ان “القطار يعتبر أفضل وسيلة نقل فأوقاته منظمة مقارنة بباقي وسائل النقل في تونس”. وتابعت “كنت أستقله يوميا للذهاب إلى مقر عملي، وبعد تقاعدي كلما احتجت للتنقل إلى الضاحية الشمالية، إلا ويقع اختياري عليه بدل سيارات النقل الجماعي، فحنيني لأيام هذا القطار كبير”.

أعرق قطارات البلاد

وداخل العربة، يجلس المسافرون، منهم من ينشغل بمطالعة كتاب أو صحيفة ومنهم من يتبادلون أطراف الحديث أو النظر إلى جانبي القطار حيث البحر وبعض المشاهد الطبيعية والأشجار والمنازل أيضا. وقال نورالدين محمدي، المتفقد منذ 21 سنة بشركة نقل تونس، “توجد 18 عربة تؤمن 58 رحلة إلى المرسى و9 إلى قرطاج في الأيام العادية و45 رحلة في أيام العطلات”.

وأشار إلى أن قطار “تي. جي. إم” “خط خاص ومتجدد وهو سياحي وثقافي في الآن ذاته حافل بالتاريخ والذكريات، يمر راكبه يوميا بجانب أكبر المسارح التاريخية في العالم، المسرح الروماني بقرطاج، فضلا عن أماكن الترفيه والمقاهي السياحية والتاريخية بضاحية سيدي بوسعيد”. وعن العربات المعتمدة حاليا، أكد محمدي أنها “قاومت الكثير فعمرها يناهز 40 عاما ومن المنتظر أن يتم قريبا تجديد أسطول القطارات بالشركة”.

وتعرض مستودع تونس البحرية، إبان الحرب العالمية الثانية وتحديدا في سنة 1943، إلى غارة أسفرت عن تدميره، إضافة إلى تدمير 4 عربات بما فيها العربة المخصصة للباي. وبين عامي 1908 و1910 قامت الشركة بكهربة الخط بواسطة سكة ثالثة (600 فولت) والتخلي عن الطاقة البخارية، التي اعتمدت منذ بدء استغلال القطار لتعوض في ما بعد بكابلات كهربائية فوق العربات تمتد على طول الخط.

وفي العام 1977، تم التخلي عن استغلال آخر رتل خشبي “القطار الأبيض الصغير” وجلب القاطرات الجديدة ذات اللون الأزرق التي لا تزال تعمل حتى اليوم. ومنذ عامين، تم تكليف فرقة خاصة بالحماية والتأمين، تابعة لشركة النقل، مخصصة لخط “تي جي إم”، وتضم قرابة 50 عنصرا. وقال مصطفى الرزقي، المسؤول الأمني بشركة نقل تونس، إنه سيتم قريبا انتداب 79 آخرين بهدف حماية رحلات القطار ومراقبتها وتعميمها في وقت لاحق على مختلف فروع الشركة من حافلات ومترو خفيف.

20