ثائر تراجيكوميدي حكم بولندا بحذاء ضيق

الأحد 2013/11/03
فيلم «فاونسا» لأندريه فايدا.. الرئيس العاري

أندريه فايدا المخرج الأكثر شهرة في السينما البولندية، والحائز على جائزة الأوسكار عن كامل مسيرته الفنية، يتصدى اليوم لإنجاز فيلم عن الشخصية الأكثر شهرة في تاريخ بولندا المعاصر..

إنه القائد العمالي البارز الذي قاد الإضرابات في بولندا بدايات الثمانينات والذي أصبح فيما بعد أول رئيس لبولندا بعد سقوط النظام الشيوعي فيها.. وقد كان العرض الأول لفيلم "فاونسا" في مهرجان البندقية الذي عقد في أواخر شهر أغسطس الماضي..

الجدير بالذكر هنا أن فاونسا رجل ذو تحصيل علمي متواضع، ومهنته عامل كهرباء، وتبقى شخصيته غير معروفة في كثير من نواحيها لمن لا يعرف اللغة البولندية، وقد كانت أخطاؤه اللغوية على سبيل المثال مثار تهكم ليس من قبل البولنديين فقط، بل وحتى لأجانب مثلنا ممن درسوا في بولندا.. إنه شخصية "تراجيكوميدية"، ودون معرفة ذلك المزيج فإن تذوق أداء الممثل البولندي روبيرت فينتسكيفتش سيبقى ناقصا..

باروديا ممنهجة

قضى فينتسكيفتش شهورا في مشاهدة مواد أرشيفية يظهر فيها ليخ فاونسا، ومن الجلي لمن يعرف فاونسا وشاهد الفيلم، كم اِلتقط هذا الممثل طريقة فاونسا في الكلام والإشارات وكل ماله علاقة بالصوت والنطق من جهة وبلغة الجسد من جهة أخرى، وتلاحظ العين المحترفة هنا كيف أن فينتسكيفتش عرف تماما كيف لا يتجاوز الشعرة الفاصلة ما بين الأداء التمثيلي الراقي، وبين التقليد المضحك..

وفي هذا السياق فقد قال الممثل بأنه طلب من الجميع مراقبة أدائه أثناء التصوير، وذلك للحيلولة بينه وبين الوقوع في مطب الباروديا أي التقليد التهريجي..

حرص المخرج أندريه فايدا على "أنسنة" البطل وجعله ببساطة شخصا عاديا يمر بلحظات ضعف، وشك، وتردد، لحظات يتعثر فيها ويسقط لكنه يعاود النهوض.

من الواضح أن الفيلم لا يريد الخوض في المرحلة التي أصبح فيها فاونسا رئيسا للجمهورية البولندية بعد سقوط الشيوعية، فتلك هي المرحلة الأشد إشكالية في تاريخ الرجل، وفيها بدا "الملك عاريا" إن صح التعبير، حيث تعرض فاونسا لانتقادات شديدة بسبب "عدم صلاحيته" ليكون خير ممثل لبولندا، وذلك بسبب معاركه السياسية الخائبة والتي صاحبتها ضحالته الفكرية وانعدام ثقافته وهزالة المستوى في كلامه ولغته.. لهذا كله فقد حرص الفيلم على عرض الفترة المضيئة في حياة فاونسا، أي صعوده من وسط الجموع ليصبح قائدا جسد أحلام الطبقة العاملة ومطالبها في التخلص ممن ادّعوْا تمثيلها فحكموها بالحديد والنار..

لكن ذلك لا يعني أبدا أن كاتب السيناريو والمخرج -وأيضا الممثل- قد قدموا فاونسا بصورة البطل الأسطورة.. على العكس فقد حرصوا على "أنسنة" البطل وجعله ببساطة شخصا عاديا يمر بلحظات ضعف، وشك، وتردد، لحظات يتعثر فيها ويسقط لكنه يعاود النهوض..

إنها التفاصيل الضرورية لرسم مصير الإنسان، والتي دونها يتحول المرء إلى أيقونة في متاحف التاريخ لا تعني إلاّ حفنة من المؤرخين..

نوبل والحذاء

تفصيل صغير في أحد المشاهد يتم التأكيد فيه على بساطة هذا الإنسان، حيث نرى فاونسا مرتديا طقمه وهو يجلس على طاولة في أبرشية المطران يانوفسكي حين كان راديو "أوروبا الحرة" يبث مراسيم منحه جائزة نوبل للسلام -والتي استلمتها زوجته عنه، إذ لم تسمح السلطة العسكرية له في ذلك الوقت بمغادرة بولوندا - في تلك اللحظة وهو محاط بجموع من الصحفيين والراهبات، قام فاونسا بخلع حذائه من تحت الطاولة.. يقول الممثل فينتسكيفيتش: "كانت تلك اللحظة محاولة لإبراز تفصيل إنساني لفاونسا، فقد يكون ذلك دليل توتر أو أن ذلك العامل البسيط قد انتعل حذاء ضيقا يؤلم قدميه.. لقد أردت لفاونسا أن يظهر بكامل إنسانيته، وهذا ما كان يهمني في أدائي للدور، لا أن يظهر فاونسا كإنسان فولاذي أو حديدي أو من المرمر".. الممثل هنا يستعمل مجازا عنوانين لفيلمي فايدا (رجل من المرمر) الذي أنجزه عام 1976 و(رجل من الحديد) الذي أنجزه عام 1981 ونال عليه السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي.. هذان الفيلمان اللذان هاجم فيهما فايدا بشدة النظام الاستبدادي التوتاليتاري في بولندا والمعسكر الإشتراكي، واليوم يعتبر فايدا أن فيلم "فاونسا" هو استمرارية وتكامل مع مشروعه في الفيلمين المذكورين، ويتمنى المخرج من كل قلبه أن يصل فيلمه للأجيال الشابة في بولندا، تلك التي لم تعايش ذلك الزمان حين قاد فاونسا نقابة التضامن -سوليدارنوشتش- نحو تحطيم النظام الشيوعي، ليفسح لتلك الأجيال أن تتمتع بالحرية التي ولدوا معها اليوم في بلادهم..

أخيرا يخطر في بالي تساؤل إن كان يمكننا تصور لحظة من مشهد في فيلم عن زعيم عربي يخلع فيها حذاءه تحت الطاولة؟ حتى الآن لا أظن ذلك، فمازلنا مسكونين بالذات الحاكمة المنزهة عن الهفوات الإنسانية، ومازال الرئيس- الملك رجلا أسطوريا أنجبته أمه من حديد ومن فولاذ..

16