ثائر قبلي يقاتل التهميش ونفوذ الإسلاميين في ليبيا

السبت 2013/11/02
الجضران يريد تقسيم البلاد إلى ثلاثة أجزاء يحكم كل منها نفسه على أساس قبلي

زعيم معارض قاتل ضدّ القذافي، نصّب نفسه بعد سقوط النظام رئيسا للمكتب السياسي "لإقليم برقة الفيدرالي"، بعد أن أحكم سيطرته على آلاف المقاتلين وكميات كبيرة جدا من السلاح.

من قاعدته قرب ميناء البريقة النفطي قائد إحدى الميليشيات المتمركز في شرق ليبيا، يتحدث بكل ثقة عن رئيس الحكومة الليبية علي زيدان ويـتهمه بأنه دفع رشى له بملايين الدنانير لفك حصاره للمنشآت النفطية والتنازل عن دعوته إلى إعادة الفدرالية لليبيا.

يدعى إبراهيم الجضران، وهو شاب في العقد الثلاثين من عمره، أسمر البشرة، لمع نجمه خلال الانتفاضة على حكم معمر القذافي؛ ومنحه الكم الهائل من السلاح الذي تحتكم عليه مجموعته ثقة كبيرة في النفس؛ وكغيره من رؤساء الميليشيات، الذين كانوا مقاتلين في صفوف المعارضة ضدّ نظام القذافي خلال ثورة 17 فبراير، ثم تقهقروا إلى مناطق محدّدة وقد سيطروا على كميات هائلة من الأسلحة.

ولا يرى الجضران في قيام جماعته بوقف نصف إنتاج البلاد من النفط جريمة… بل بداية معركة شريفة من أجل نصيب عادل في الثروة النفطية والضغط على طرابلس بمزيد من الحكم الذاتي والنفط لمنطقته الواقعة بشرق البلاد.

الطريق إلى الجضران كانت غير ممهدة والمستشفيات شحيحة والطلاء يتساقط من على المباني في تناقض مع الكورنيش الأنيق بالعاصمة طرابلس على بعد 700 كيلومتر إلى الغرب. وكان اللقاء في بلدته أجدابيا قرب ساحل البحر المتوسط.

مكتبه كان يكتظ بالمساعدين ويقوم رجاله بدوريات في المجمع الكبير. تقف شاحنة عليها مدافع مضادة للطائرات أمام البوابة الأمامية. ويحرس بوابات البريقة وموانئ أخرى على امتداد الساحل الليبي عدد من رجاله الذين قدّروا بحوالي 22 ألف مقاتل.

يقود القائد السابق لحرس المنشآت النفطية بالمنطقة الوسطى مجموعته الكبيرة من مبنى أبيض من طابق واحد، وهو المقر السابق لجهاز حرس المنشآت النفطية وقد سيطر عليه بعد أن انشق عن الوحدة في يوليو.

وكانت رئاسة الأركان الليبية أعلنت في أغسطس- آب الماضي أنها أقالت الجضران من منصبه كقائد لحرس المنشآت النفطية بالمنطقة الوسطى، بعد اتهامه ببيع كمية من النفط لإحدى الشركات غير المتعاقدة مع المؤسسة الوطنية.


نفوذ الميليشيات


يعكس صعود الجضران، الذي نصب نفسه زعيما محليا، فوضى الأوضاع في ليبيا بعد ثورة 17 فبراير حيث يسعى رئيس الوزراء علي زيدان جاهدا إلى السيطرة على البلاد التي تزخر بالقبائل المسلحة والميليشيات والإسلاميين.

وعلى غرار كثيرين في شرق ليبيا الذي يفتقر إلى التنمية يريد الجضران تقسيم البلاد إلى ثلاثة أجزاء يحكم كل منها نفسه على أساس قبلي وهو الوضع الذي كان قائما إبان حكم ملك ليبيا الراحل إدريس السنوسي عام 1951. كانت ليبيا حينئذ مقسمة إلى منطقة برقة التي تقع في الشرق وعاصمتها طرابلس وفزان في الجنوب.

لإنجاح خطته يحتاج إلى النفط. ويوجد 60 في المئة من احتياطيات ليبيا من النفط الخام في الشرق لكن الجضران يقول إن عائداته تذهب إلى طرابلس وحدها. ويعتقد معظم الخبراء أنه سيكون من الصعب على أمثال الجضران ومقاتليهم، الذين يسيطرون بقوة السلاح على مرافئ النفط الليبية، العثور على مشترين للنفط. فيما هدّدت الحكومة بأنها ستفجر أي ناقلات تحاول الرسو في الموانئ الخاضعة لسيطرة إبراهيم الجضران.

وهذه السيطرة تتوضح من تصريح رئيس الحكومة الليبية المؤقتة علي زيدان حين قال: إن حكومته مستعدة لشراء أسلحة إبراهيم الجضران- رئيس المكتب السياسي لإقليم برقة، لوقف خسائر الدولة التي بلغت حتى الآن 6 مليارات دينار جراء توقف تصدير النفط، وحقنا للدماء، وذلك في إطار سياسة الحكومة لجمع الأسلحة من المسلحين.

ويزعم المقاتل السابق في صفوف المعارضة الليبية ضدّ القذافي أن الليبيين كانوا يحلمون بدولة جديدة بعد الثورة لكن الأمن وخدمات الصحة والتعليم تتدهور يوما بعد يوم. وبعد أن أوقف مبيعات نفطية لا تقل قيمتها عن خمسة مليارات دولار يهدد الجضران بتصعيد مواجهته مع الحكومة من خلال محاولة بيع الخام مباشرة للأسواق متجاوزا وزارة النفط التي يتهمها بالفساد.

ولا تؤثر المواجهة على إمدادات النفط العالمية فحسب وإنما تهدد بمزيد من الاضطرابات في ليبيا التي تخشى القوى الغربية من تحولها إلى ملاذ آمن للإسلاميين المتشددين الذين يتنقلون عبر حدود يسهل اختراقها. وظهرت التحديات التي تواجهها ليبيا بوضوح هذا الشهر حين خطف مسلحون من جماعة أخرى رئيس الوزراء من غرفته بأحد فنادق طرابلس واحتجزوه لعدة ساعات قبل أن يفرجوا عنه.


صعود مقاتل..


يسير صعود إبراهيم الجضران كمقاتل يسعى إلى نظام فيدرالي في خط متواز مع انزلاق ليبيا في فوضى الجماعات المسلحة.

خلال الانتفاضة ضد نظام العقيد معمر القذافي كان الجضران يقود سرية حمزة التي قاتلت على الساحل من أجدابيا إلى منطقة سرت مسقط رأس القذافي. وكوفئ، بعد سقوط النظام، بقيادة إدارة حرس المنشآت النفطية المسؤولة عن حماية الموانئ وحقول النفط وهي أماكن استولى عليها من قوات القذافي في الشرق. في ذلك الحين كان ملتحيا يرتدي زيا عسكريا.. أما الآن فهو حليق ويرتدي حلة سوداء وربطة عنق.

في البداية كانت عائلة الجضران تتلقى السلاح والمال من حكومة القذافي التي كانت تأمل أن يتمكن من إخماد الانتفاضة. ثم انضموا إلى صفوف المعارضة. ولشعوره بالغضب مثل كثير من المواطنين الليبيين لانعدام التنمية والأمن قرر الجضران أن يتحول إلى صفوف المعارضة مرة أخرى وترك جهاز حرس منشآت النفط. وسيطر رجاله على ميناءي السدر وراس لانوف لتصدير النفط.

وضع نفسه على رأس حركة للحكم الذاتي في برقة. ويحيط به المساعدون يرتدي بعضهم زي جهاز حراسة المنشآت النفطية، ويصف نفسه الآن بأنه زعيم كيان إقليمي لحكم شرق ليبيا. ويتدفق الزوار مما يضطر مساعديه إلى إغلاق مكتبه لإبعادهم عنه وإتاحة قدر من الخصوصية له. في الداخل يعطي أوامر عبر الهاتف أو يوقع أوراقا بينما يتابع مؤتمرا صحفيا لمقاتل من المعارضة السابقة يتحدث عن احتجاز رئيس الحكومة علي زيدان.

ورغم أن رئيس الوزراء أنهى حصارا للموانئ في غرب ليبيا من خلال سداد مبالغ للجماعات المسلحة فإن الجضران يرفض ويصر على نظام فيدرالي لاقتسام السلطة. وقال إن هناك حاجة إلى إعادة دستور عام 1951 الذي يدعو إلى نظام فيدرالي. وأضاف أن حكومة طرابلس ليست مركزية فحسب وإنما تسيطر عليها جماعة الإخوان المسلمين وميليشياتها. وأردف قائلا إنه لن يكون هناك استقرار دون نظام فيدرالي.

ويلقى هذا النوع من المطالب قبولا كبيرا في برقة مهد الانتفاضة على حكم القذافي والتي طالما عانت إهمالا وتجاهلا. ويتمتع الجضران بشعبية لأنه دفع ثمن معارضته للقذافي وقضى سبع سنوات في سجن أبو سليم قبل الإفراج عنه عام 2010 ضمن عفو عن سجناء سياسيين.

ويشكو السكان من أن بنغازي مازالت تبدو مهملة تماما مثلما كان عليه حالها في عهد القذافي. والمباني المطلة على البحر التي يرجع أغلبها إلى حقبة الاستعمار الإيطالي متداعية. ويتفق الكثير من سكان المنطقة مع الجضران حين يتهم النخبة التي يصفونها بأنها فاسدة في طرابلس "بسرقة النفط" قائلين إنها تستفيد من عدم دقة استغلال أنظمة القياس المستخدمة لتعقب حركة النفط.


خصومات وعداءات


جماعة الجضران واحدة من عشرات الجماعات المسلحة في ليبيا التي تتمتع بقدر من الحصانة رغم أن الكثير منها اندمج من الناحية الشكلية في وزارتي الداخلية والدفاع. أما على الصعيد الفعلي فهي تتبع قادتها المحليين وليس الحكومة.

وربما تحظى دعوة الجضران إلى إقامة نظام فيدرالي بشعبية لكن نفوذه محدود. فرغم أنه يقود آلاف الرجال -يقول المتحدث باسمه إنهم 20 ألفا ويرى محللون أن العدد مبالغ فيه- فإن سلطته تقتصر على منطقة اجدابيا التي تعيش بها قبيلة المغاربة التي ينتمي لها. وهو يواجه أيضا معارضة من جانب إسلاميين يتهمهم بمحاولة تحويل ليبيا إلى مرتع للمتشددين مثل العراق. ويرفضه الزعماء الإسلاميون في بنغازي ويرون أنه يضر بالاقتصاد.

ويقول أحمد الزليطني، وهو متحدث باسم جماعة إسلامية في بنغازي، تدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية إنه لا يمانع في النظام الفيدرالي لكنه أشار إلى أن المشكلة تكمن في أن المسألة تتعلق بالنفوذ القبلي. لكن الجضران مصمم ويقول إنه يعتزم بدء طرح النفط الخام للبيع للأسواق العالمية هذا الشهر نيابة عن مجلس جديد للحكم الذاتي. وأضاف "من حقنا الحصول على حصة من النفط".

15