ثامر الماجري فنان تشكيلي تونسي يسخر من الواقع بالألوان

الماجري يسخر في أعماله من كلّ الأحداث والصور التي يصنعها البشر داخل مجتمعاتهم ويسلّط الضوء باستمرار على فكرة الموت المصاحبة لتواجد الجسد المفكّك.
الثلاثاء 2019/12/03
الماجري يعتمد في رسمه على مبدأ اللاّمكتمل

تعد لوحات الفنان التشكيلي التونسي الشاب ثامر الماجري من أهم الأعمال التي عُرضت خلال النسخة الرابعة من معرض الفن المعاصر بباريس والتي اجتمع خلالها أكثر من مائة وثلاثين فنانا تشكيليا من مختلف الدول الأفريقية لتقديم صورة الفن المعاصر في القارة الأفريقية.

وتظاهرة معرض الفن المعاصر ثبتت نفسها خلال أربع سنوات كموعد لا غنى عنه ومهم في سماء الحراك الثقافيّ الباريسيّ. وعرضت أعمال الماجري خلال التظاهرة وهو التونسي الذي يخطو بثبات في الساحة التشكيليّة العالميّة المعاصرة عبر المشاركة في تظاهرات مهمّة بأميركا وفرنسا وغانا، وتمثيل أروقة إفريقيّة وفرنسيّة شهيرة بباريس وأكرا ونيويورك.

وشارك ثامر الماجري بخمسة أعمال تصويريّة متفاوتة الحجم تحمل عنوان "الأراضي المتآكلة" Eroded grounds، ويتّكل في تصويره على مفهوم الصورة الفوضويّة الساخرة، فهو يشتغل على مساحات لونيّة وشكليّة متراكبة ومتقاطعة إلى الحدّ الذي يصعب علينا أحيانا كثيرة تمييز الجزئيات المكوّنة للوحة.

ويرتكز العمل لديه على البناء اللامنطقي للرسم فهو يعود مرارا على العلاقات البشريّة المتقاطعة والمتضاربة في الواقع، ويؤكّد بنفسه أنّ أعماله هي انعكاس كلّ الأفكار التي نواجهها داخل المجتمعات وعلى رأسها المجتمع التونسي، يقول "يحاول العمل أن يتطرّق إلى مفاهيم مثل مفهوم السلطة والعقيدة والدين والعلاقات الاجتماعيّة والإنسانية، بينما تلعب تِيمة الجسد المرسوم دورا مهما في تحديد علاقتنا بالواقع وبالوجود".

وسمح التكوين الأكاديمي لهذا الرسام بتوظيف العديد من المراجع البصريّة والفكريّة، ومكّنه من استعمال تقنيّات مزدوجة يغلب عليها الرسم الخطّي السريع، كما ساعده ذلك على تقديم أعمال تصويريّة معاصرة تجمع بين التشخيص الحرّ والسرياليّة والرمزيّة الجديدة.

رسومات تحكي الطبيعة الساخرة
رسومات تحكي الطبيعة الساخرة

ويسخر الماجري في أعماله من كلّ الأحداث والصور التي يصنعها البشر داخل مجتمعاتهم ويسلّط الضوء باستمرار على فكرة الموت المصاحبة لتواجد الجسد المفكّك.

ويستحضر الرسّام الجمجمة والظّلّ والأيادي والأحذية وتفاصيل متفرّقة –كصفيحة البنزين والنقّالة اليدويّة أو الخرفان والجماجم الحيوانيّة- ليستعملها كأداة ملائمة ووسيلة صالحة للنقد والتهكم والتقريع التصويريّ.

ويتعامل الفنّان مع الرسم  بوصفه الاستعارة التقنيّة التي تحرّف قواعد الصورة المنظّمة، ويقدّم لنا مبادئ تركيبية غريبة تجعل من التناقض البصري بين "الجسد المثالي" "والجسد الإنساني الهشّ" شكلا من أشكال النقد الواعي الممزوج بالإحساس الفطري بهموم الشعب المستضعف والمهمّش.

ويعود بنا ثامر الماجري إلى الطبيعة الأولى للجسد ويحتفي ساخرا بحقيقته العارية، بكلّ معاني الأرق والتشتّت والتناقض والإهمال والفناء. ويؤكّد على استعادة أجزاء مختلفة لحيوات بشريّة متعدّدة ويصوّرها في لحظاتها المقتطعة والمسقطة داخل ذلك الكم الهائل من اللعب التصويري بالفرشاة والممحاة.

ويقدّم لنا صورا مركّبة وهجينة تفضح الفوضى الفكريّة وتعرّي عدم الانضباط اجتماعيّا، تلك المفارقة التصويريّة الممتعة التي تحدّث عنها سالفادور دالي في يوميّاته ووصفها بـ"المتعة اللّذيذة الناتجة عن تصرّف همجي". إذ يرسم الماجري عناصر وتفاصيل تشخيصيّة مؤطَّرة ومحفورة، قلقة ومجعّدة كالأيادي والقفازات والسكاكين. تنبؤنا الخطوط السريعة المتكرّرة بآنية التصوير وتُعلمنا بالخوف الذي يعتري الجسد المبتور لذلك يستدعي عناصر جنائزيّة كالجماجم والأقدام والجثث. تُنْتِج الأجزاء المقتطعة والمركّبة نوعا من الوهن والانقباض والدهشة، فالخط في الغالب مكسّرا، يُظهر الموضوع ويبيّنه دون الاسترسال في كلّيّته.

الماجري ينزع إلى الترميز
الماجري ينزع إلى الترميز

ويستعيد الفنّان باستمرار تفاصيل جسمانيّة مُظلّلة، كالأصابع والبصمات التي تمتلك ليونة التحول والتحوير والمحاورة الماكرة، أين يمكن للجسد -رغم تفككه- أن يكون صلبا مفاجئا وخشنا/ ناعما، تماما كالجثث التي كان يرسمها فرانسيس بايكون وهو يركّب أشلاء أجسامه.

وينزع ثامر الماجري نحو الترميز عبر استرجاع عناصر من الواقع والشارع التونسيّ، بدليل أنّه يذكّرنا بأحداث الثورة ومخلّفات التهميش. تبدو مشاهده في الغالب خارج منطقة الأرض، وكأنها استشراف للمستقبل أين تتجلّى الكائنات المرسومة بين الحيوانيّة والإنسانيّة.

ويعتمد الماجري في رسمه على مبدأ اللاّمكتمل أو الأجساد المبتورة ليبرهن أن الشوائب في الإضافة وفي المغالاة. ويؤكّد لنا أنّ هدفه هو إثارة قلق المتلقي والعمل على استفزازه، لذلك تتكاثف ممارسته التصويريّة أكثر مما تنسجم، و تتناقض تكوينات أعماله بسبب اتخاذه مرجعيات تزدري "الجمال" وتعالج بفظاظة الجسد والواقع.

ويحيلنا التشابك في الصور إلى معاني الغربة التي نعيشها وافتقار الإنسانية لأثر محدد، إذ نعجز على تحديد أمكنة أو شخصيات بعينها لأنّ كلّ شيء يبدو متشنّجا داخل الفضاء.

ويدعونا الماجري إلى التكشّف على عالم الأشباح المحسوسة تلك التي وصفها بول أوستر وهو يكتب "اختراع العزلة" بــ"الذات غير المرئيّة" والتي استعملها "لكي يستكشف أسئلة تهمنا جميعا كبشر".

ويزج بنا الفنّان التونسيّ داخل عوالم الأموات الغيبيّة أين يمكن لنا الإحساس بسوء مواجهة السكون والعزلة مقابل عبثيّة الحياة وخطورتها. يقدّم لنا محطات عديدة لوجود الإنسان المتبرم، ذلك الكائن المنفلت في رسوماته، بين الطيران على غنائيّة الخطوط أو الاستكانة إلى أغلال الهندسة. يحملنا كلّ ذلك إلى المصائر السوداويّة التي يلقاها البشر بين الانتحار بقوّة أو الاحتراق بجبن، بين الثورة والعبوديّة، بين المعرفة والجهل.