ثانية في وهران

الأربعاء 2015/07/08

هناك مدن أحبها وأشعر أنها لا تحبني، أحببت أن أكون فيها وأبقى، لكنها دفعتني نحو المغادرة والرحيل عنها، هناك العكس وهو قليل، فقلما كنت في مدن شعرت أنها تحبني وأنا لا أحبها، فعادة أستجيب لشعور المدن اللطيف تجاهي وأبادلها نفس الشعور لتكون نتيجة ذلك مدن أحبها وتحبني، وأشعر أن “وهران” من ضمن هذه المدن. للمرة الثانية أكون في هذه المدينة. حين غادرتها قبل سنتين كتبت أني آمل أن أعود إليها. وتستقبلني هذه المرة وهران بحضن أكثر دفئا، وبهجة، وسعادات كبيرة وصغيرة تحدث واحدة بعد الأخرى طيلة أسبوعين من الإقامة فيها.

الشوارع والمباني البيضاء الجميلة ذاتها، وهذه المرة أجد السماء فوقها أصفى، بغيوم في أجمل ما يمكن أن تشكّل من لوحات. الناس هم الكرماء المهذبون الذين عهدتهم منذ المرة السابقة، الموسيقى الصاخبة التي أسمعها في السيارات هي نفسها، والروح الموسيقية والمرحة التي تسير في المدينة بإيقاع دقيق، يكفي أن أفتح مسام جسدي وروحي لتسكنني كالمرة السابقة. ومن دواعي السرور والفخر -والحمد لله- أن أزور مدينة عربية خلال السنتين الأخيرتين دون أن تكون عليها أو مقتربة منها ظلال غول مرعب اسمه “داعش”.

التجول اليومي في المدينة، والطريق من الفندق إلى صالتي السينما اللتين كانتا تعرضان الأفلام المشاركة في مهرجان وهران للفيلم العربي، والذي كنا نقطعه مشيا على الأقدام مرة، ومرة أخرى بالسيارة، رفقة أشخاص يمنحونني الشعور بالسعادة؛ نتحدث، نضحك، نقف أحيانا من أجل شراء بعض الأشياء، شوكولا أو حلي من فضة، تحت شمس يهبط شلال أشعتها الدافئ على المدينة وعلينا، ومن نِعَم هذه المدينة عليّ أني أتعرف كل مرة فيها على أشخاص بجمال زهر الكرز.

ثم ليالي وهران وضواحيها الخضراء بنجومها المتراصة فوق رأسي، أنا التي إن كنت أعاني من حرمان طويل كل هذه السنوات، ألا وهو حرماني من رؤية النجوم في الليل، نتيجة العيش في مدينة أحبها، وتحبني، لكنها تحول بيني وبين النجوم بشرشف من الدخان الأسود. كل ما أتذكره عن رؤية النجوم في الليالي الدافئة يعود إلى طفولتي في الأهواز، وبعض الرحلات إلى الصحراء في إيران.

البحر ورغم أن الوقت لم يتح لنا أن نمتزج به، كان يبعث طاقاته الإلهية لنا من كل صوب؛ ونحن نمشي بمحاذاته، وأنا أضيع في الشوارع مصرة على المشي ليجدني هو ويرشدني إلى باب الفندق، ثم وهو يطل من شباك الغرفة، من وراء الأغصان والمباني، وحتى حين لم أره.

ولتؤكد لي وهران حبّها، أجد فيها هذه المرة تينا لم أره، ولم أذقه من قبل. تين بحبات كبيرة باللونين الأخضر والأسود، يصلح ليقسم الإنسان به! إلى جانب الخوخ الشهيّ، والمشمش، والأجبان التي تشكّل بهجتي الكبيرة في الحياة في ما يخص الأكل.

وأن يكون لديك كل هذا، وتتخلله السينما بسحرها الأبدي في كل يوم، تشعر أن الوقت لا يمرّ. شعرت بذلك، وبإحساس من السعادة يجول في أزقة وهران وأنا أجوب حيّا شعبيا فيها ذات صباح، وتتبعني إلى نهاية الشارع نظرات امرأة عجوز جالسة على عتبة بيتها. كان في نظرتها شيء من اللامبالاة، والرضا، والحنان، جعلني أشعر أكثر بنشوة صباح يونيو.

في الأيام الأخيرة قيل لنا إن هناك معرضا أمام الفندق، عن الثورة الجزائرية. زرناه وكانت الجدران مغطاة بصور الشهداء، وهنا وهناك أشياء وأدوات بقيت من سنوات النضال من أجل الاستقلال. عيونهم كانت تتحدث معي من بين الأطر الصفراء ومن خلف الزجاج؛ أصواتهم تملأ المكان مثل تمتمات تصل من الغيب. وإذ كانت الشمس تغيب ذلك المساء تأكد لي أن السعادات تحرسها لنا أرواح خالدة، حتى إن نسينا ذلك في صخب الحياة وزحام الذاكرة.

شاعرة ومترجمة من إيران

14