ثراء الحضارات القديمة.. أبواب تونس تروي حكاياتها

الاثنين 2013/10/28
لمعرفة تاريخ التونس عليك التأمل في أبوابها

أسس العرب المسلمون مدينة تونس على أنقاض بلدة قديمة في القرن الثامن ميلادي، وأصبحت عاصمة لأفريقية سنة 1160م، هي اليوم بهيئة لم تتغير كثيراً منذ القرن الثامن عشر للميلاد، متميزة بنسيج عمراني كثيف وشبكة طرقات وأزقة بين منازل ذات أفنية متلاصقة ببعضها البعض.

في "المدينة العتيقة" التي يطلق عليها التوانسة أيضاً "المدينة العربي"، تتوالى الجدران سميكة عبر الشوارع والأزقة، الممتدة حيث تتميز القصور عن بقية الديار بأبوابها الفخمة، ذات العضائد المبنية من الحجر المنحوت والمزركشة بالمسامير الداكنة، حافظة للكثير من تاريخ المدينة الموغل في القدم، رغم التقلبات والمستجدات التي طرأت عليها وهو ما يؤهلنا للقول أن من يريد الدخول إلى ذاكرة تونس، ما عليه إلَّا أن يأتيها من أبوابها.

كانت مدينة تونس أو "ترشيش" قديماً، تمثل مركزاً فينيقياً معاصراً للعاصمة القديمة أوتيك (شمال تونس)، ولما تأسست العاصمة الجديدة "قرطاج" سنة 814 قبل الميلاد، أصبحت "ترشيش" تابعة لها. واستمرت كذلك في عهدي الرومان والبيزنطيين، حتى الفتح العربي الإسلامي، عندما نقل قائد الفتوحات في أفريقية حسان بن النعمان الأزدي الغسَّاني، سكان قرطاج إلى تونس، فأصبحت منذ العام 78 للهجرة، عاصمة ثانية بعد القيروان.

ويمكن تتبع تطور المدينة من حكايات أبوابها التي تلفت انتباه المرء إذا ما تجول عبر أحياء مدينة تونس القديمة أو في الأحياء العريقة للمدينة العصرية، فأبواب الدور ومختلف المباني قديمها وحديثها تمتاز بتنوعها في الأشكال والألوان والزخرف.


الأميرة الأسبانية وباب "الخوخة"

الأبواب التونسية من حيث الشكل؛ فبعضها مستطيل والبعض الآخر مقوس. وفي النوعين ما هو ذو دفة وحيدة وما هو ذو دفتين، ويمتاز نوع ثالث من الأبواب بوجود باب آخر صغير ينفتح داخله ويسمى باب "الخوخة". وتقول الروايات الشعبية: "إن أول من استحدث هذه النوعية من الأبواب أميرة أسبانية تزوجها عبد العزيز بن موسى بن نصير، والي الأندلس، ولما لم يُقنع الأميرة تواضع الأمير مع رعيته، ابتغت من هذا الباب الصغير إرغام كل داخل إلى ديوان الوالي على الانحناء.

وكما عرفت العمارة في تونس تطورا مستمرا متأثرة بالقادم الجديد، فقد عرفت الأبواب كذلك تغييرات عديدة في الأشكال والألوان والزخارف، وقد وصفها الجغرافي الأندلسي أبو عبيد البكري في القرن الحادي عشر ميلادي بقوله: "إن أبواب كل المنازل محاطة بالرخام الجميل فكلتا القائمتين تتكون من قطعة ثالثة".

وهذا النمط المعماري "التقليدي" الذي يعود إلى العصور القديمة مازال قائم الذات، ويتميز ببساطة شكله وسهولة إنجازه بالمقارنة مع النمط المتمثل في إحاطة الباب بقوس منكسر، أو في شكل نعل الفرس الذي انتشر منذ العهد الحسيني (القرن الثامن عشر ميلادي).

وسواء أكانت أبواب الدور في المدينة مستقيمة أم مقوسة، فإنها محاطة بإطارين من الحجارة لهما لونان؛ الأول من الحجارة الكلسية ذات اللون الفاتح المزخرفة بنقوش دقيقة، والثاني يكون من الحث المزخرف بلون أدكن، وتكتمل "حلية" الواجهة بباب ذي مصراعين كبيرين مزخرفين بمسامير سوداء مستديرة مثبتة في أشكال هندسية جميلة في خشب الباب الذي يكون عادة مطليا بالأصفر، أو بالأزرق. وتكون النوافذ في الغالب، صغيرة الحجم تحميها قضبان من الحديد ذات خرجات مكرشة على النمط الأندلسي. أما الفتحات العريضة فهي في شكل "نينارية" أي في شكل رواق خارجي تحيط به مشربية من الخشب الدقيق الذي يستر من في الدار ويسمح بالرؤية دون أن يرى من وراءه.

وفي القرن السابع عشر ميلادي، تميزت الأبواب بوجود فتحة تحيط بها قطع رخامية مستطيلة الشكل يعلوها قوس أسفله قطعة رخام أفقية، ولعل أبرز شاهد على هذه الفترة في المدينة العتيقة "دار عرافة"، أما أبواب القرن الثامن عشر فقد تميزت بكثافة الزينة والزخرف سواء من حيث الحفر والنقش أو باستعمال المسامير عند جانب كل قطعة رخام مستطيلة يعلوها قوس "دار المنستيري".


تعريب الأشكال المعمارية الأوروبية

يؤكد المعماريون التونسيون أن العمارة التونسية شهدت في القرن التاسع عشر ميلادي تأثيرات إيطالية أدخلت تغييرات هامة في كثير من التفاصيل، فتعددت أشكال الأبواب واستخدمت في صناعتها مواد جديدة؛ فترى أبواب تلك الفترة منقسمة بوضوح إلى قسمين الأسفل تحيط بمدخله قطعتا رخام عموديتان يعلوهما قوس، والقسم العلوي عبارة عن نصف دائرة من الحديد المشبك يحيط به قوس من الرخام. واستبدلت المسامير المزروعة بقطع خشبية ذات نقوش ملونة.

ومع بداية عهد الاحتلال الفرنسي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر شهدت مدينة تونس نشأة حي جديد يستجيب لمبدأ تنظيمي لا عهد للمدينة به من قبل. وسرعان ما تم اعتبار هذا الحي مدينة جديدة نعتت بأنها "المدينة العصرية" أو "الأوروبية" بالمقارنة مع "المدينة العربي" التي أصبحت تعرف بـ"المدينة العتيقة". غير أن المدينة العصرية حافظت على خصائص الفن المعماري المحلي. كما عرف التراث المعماري العربي، آنذاك، نمطاً معمارياً سمي بـ"المورسكي الحديث" أو "المعرب" وهو يتمثل في تعريب الأشكال المعمارية المنقولة من أوروبا، يأخذ من المعمار المحلي تراثه الزخرفي ليكسو به المباني التي ينشئها والتي بقي تخطيطها على النمط الأوروبي.


زخارف متناغمة مع لغة الألوان

تمثل الألوان التي تجدها على الأبواب لغة مستقلة بذاتها إذ يتحدد لون الباب حسب مكانه وخاصة حسب طبيعة البناء ووظيفة الفضاء الذي يفضي إليه، فتكون الأبواب الخارجية للبيوت عادة ذات لون موحد أزرق أو أصفر أو بني، وتلون المخازن والإسطبلات باللون الأزرق أو الرمادي. أما أبواب الغرف التي تفتح على صحن الدار فتلون بالأخضر الباهت أو بالأزرق الفاتح أو بالبني أو بالأصفر، بينما تزوق أبواب المقاصر بألوان ورسوم مختلفة تشبه تماماً التزويقات التي توجد في السقوف. ويفضل تلوين الأبواب الخارجية للمساجد بالأصفر أو البني الفاتح، وتعرف مقامات الأولياء الصالحين والزوايا والحمامات بأبوابها المطلية بلونين متضادين: الأخضر والأحمر بالنسبة إلى مقامات الأولياء، والأزرق والأحمر بالنسبة إلى الحمامات، غير أن الأزرق هو اللون الغالب الآن على أبواب تونس العتيقة، ويرجح أن طغيانه يعود إلى أوائل القرن الماضي، وأن الأوروبيين هم الذين أدخلوه إلى تونس وقد يكون أول من بادر إلى ذلك البارون ذائع الصيت "رودولف ديرلانجي" صاحب التحفة المعمارية "قصر النجمة الزهراء" في ضاحية سيدي بوسعيد.

وعدا الأبواب ذات الألوان المذكورة تشد نظر المتجول أبواب أخرى تجمع بين الأحمر والأخضر والأبيض، ألوان السنجق (العلم) زمن حكم الحفصيين لتونس (1229 – 1574م).

وتمتاز أشكال أبواب تونس كذلك بزخارفها المتميزة، وتبين دراسة أشكال الزخرفة المرسومة والمنحوتة على خشب الأبواب وجود تأثيرات متعددة، منها ما هو أندلسي الأصل، ومنها ما يبدو عثماني المصدر، كما توجد تأثيرات أوروبية إيطالية، غير أن أغلب الزخارف والتزويقات بالمسامير ترجع إلى عادة أندلسية. ويتكفل بعملية تزويق الأبواب في العادة، صانعو الأقفال، ويسمون في تونس "الكوباجية".

12