ثراء الشخصية الروائية عند حامل نوبل الصينيّ مو يان

الثلاثاء 2014/03/18
مو يان صور التغيرات التي أصابت المجتمع الصينيّ بعد الثورة الثقافية

يختار مو يان السارد في معظم رواياته -على الأقلّ المترجمة إلى العربيّة حتّى الآن- طفلا يعاين العالم من وجهة نظر خاصّة به، وهي التي تعكس رؤية الروائيّ في كثير من الجوانب، كما يكون الريف مسرح رواياته المكانيّ، ومعترك الأحداث، حتّى أنّ طبيعة الريف تغدو شخصيّة روائيّة، تحتل دور البطولة، وتكون قريته «كوامي» المكان الأثير الذي يرتقي إلى الفردوس، ويتجسّد كشخصيّة فعّالة في وعي الشخصيّات ومصائرها.

في خطابه لتسلّم جائزة نوبل 2012 تحدّث الصينيّ مو يان (كاومي – شاندونغ 1955) عن روايته «مكابدة الحياة والموت»، وركّز على شخصيّة «لان ليان» التي وصفها بأنّها بوقوفها موقفا فرديّا متحدّيا في وجه تيار الزمن، بدت له مكتملة لمعاني البطولة الحقيقيّة، وذكر أنّ النموذج الأصليّ لتلك الصورة مأخوذ عن شخصيّة حقيقيّة لأحد القرويّين ممّن يقيمون في بلدة متاخمة لبلدته، كان يراه دائما في صباه الباكر، مارّا أمام بيته على الطريق الرئيسيّ، يدفع عربة بعجلات خشبيّة تصدر صريرا حادّا وهي تدور بصعوبة، والعربة يجرّها حمار أعرج، وثمّة امرأة قصيرة الساقين تسحب الدابّة بجهد خارق.

فكان ذاك المنظر الذي بدا له غريبا بدأبه الانعزاليّ وفريق عمله المحدود، في زمن العمل الجماعيّ ومجتمع الكتل العاملة لافتا بغرابته، وتحدّيه لسمة العصر السائدة وقتئذ، فكان يراه مشهدا لأحد المهرّجين ممّن يعاندون مسار الزمن، حتّى بدأ مع غيره من الصبية يقذف الرجل بالطوب والحجارة كلّما مرّ بطريقهم.

ويذكر أنّه بعد سنوات طوال، وبينما كان جالسا ذات مرّة ويهمّ بالكتابة، لاحت في ذهنه فجأة صورة تلك الشخصيّة، فأدرك أنّه لا بدّ أن يكتب يوما ما رواية يضمّنها إيّاها، وأنّه سيقصّ على الناس حكايته. ويذكر أنّ الفكرة ظلّت في رأسه حتّى زار أحد المعابد البوذيّة في 2005 وطالع على الجدران صورة الأقسام الستّة الكبرى في عجلة الكارما المقدّسة، وهناك تجلّت أمامه الطريقة المثلى لكتابة الرواية.


طفل يرى العالم


يتشابه مو يان في انتقاء شخصياته مع الكولومبي ماركيز الذي ظلّت قريته أراكاتاكا (ماكوندو في مئة عام من العزلة) مثاله المنشود والمكان الذي ينطلق منه ويعود إليه. ويعتمد مو يان على هذه التقنية بالموازاة أحيانا مع إسناد دور البطولة إلى حيوانات، كما فعل في روايته «الثور»، إذ كان الثور المسمّى شوانجين بطل الرواية دون منازع، البطل الحامل لرؤى مو يان وتصوّراته حيال مرحلة تاريخيّة بعينها.

الذاكرة الشعبية والفلكلور الصينيّ يشكلان خير معين لمو يان في بناء عالمه الروائيّ

في «الذرة الرفيعة الحمراء» مثلا يسرد على لسان فتى حكاية عائلة صينيّة قرويّة تعمل في صناعة النبيذ، بحيث تكون حياتها نموذجا للتغيير المفجع الحاصل جرّاء الحرب والرعب الذي أنتجته، يتخلّل ذلك الكثير من التفاصيل والحكايات التي تصوّر الريف وجماليّاته، بحيث تحتلّ الطبيعة دور البطولة في الرواية بما تشتمل عليه من جماليّات وأدوار.ولا يسعى مو يان إلى حكاية وقائع الحرب التاريخيّة، بل يحكي آمال بطله، المتماهي معه، وسط الفواصل التي تخلقها حوارات الفلّاحين وأحاديثهم.

وفي روايته «الحلم والأوباش» صوّر التغيّرات العميقة التي أصابت بنية المجتمع الصينيّ عقب الثورة الثقافيّة، والتي ساهمت بشكل كبير في تغيير أنماط حياة الناس، وصوّر خلالها ممارسات تمّت باسم الثورة، عبر سرده حكاية الطفل شوكن، الذي يعني اسمه جذر الشجرة، بقريته النائية في عمق الريف الصينيّ.

مو يان يحكي في كتابه آمال بطله

يفصح عن قدرته المدهشة على الحلم بالكثير من الأمور الفظيعة التي تتحقّق لاحقا، وكأنّها تقوم بالتطابق مع حلمه السابق لها، وكأنّما الحلم لديه يقود الواقع، ينذر ويبشّر في الوقت نفسه، يمرئي له ما يمكن أن يحدث، يستعيد ما حدث، يقوم بدور المنتصر له.

يتحقّق الفتى عبر أحلامه من أحداث ماضية، يستجليها ويعيد اكتشافها وفكّ الغموض الذي تلبّسها حينها، ويتنبّأ بالكثير من المجريات اللاحقة. يشتهر في المنطقة، يغدو مثار حديث الناس وموضع تندّرهم في بعض الأحيان، ما يدفعه إلى التكتّم على أحلامه فيما بعد، والتغافل عمّا تنبئه بها أو عمّا تحذّره منها.

وفي روايته «الثور» يحرص مو يان على تصوير وقائع سنة السبعين من القرن العشرين التي يتّخذها كمسرح زمانيّ لأحداث روايته، حين يفترض بالثورة الثقافيّة أن تكون في ذروتها، يلتقط أثناء ذلك التغيّرات الاجتماعيّة الحاصلة والانقلاب الناتج عنها، وتغيّر نظرة الناس لبعضهم بعضا، والخلخلة الحاصلة في سلّم القيم ومعايير الرجولة والمكانة والاعتبار.


مرايا الشخصيات


تنهض الشخصيّة لدى مو يان بأدوار مؤثّرة، ففي حالة الثور شوانجين، يجد القارئ أنّ مشكلته تكشف خواء المؤسّسة الرسميّة المتمثّلة بالسلطات الثوريّة، إذ تعكس الروتين البائس والتوجّس المرَضيّ المتبادل بين الناس، والفوقيّة التي يتعامل بها مسؤولو الوحدة الإنتاجيّة مع الفلاّحين والقرويين، وكأنّهم بصدد الانتقام من ماض بائس، وتكشف كذلك مقدار الفساد المتنامي في ذروة زعم مكافحته والتمهيد لمرحلة جديدة في ثورة شاملة قائمة.

يأتي ترميز مو يان إلى كيفيّة كشف العورات من خلال بعض الشخصيّات التي تمرئي السلوكيّات والممارسات التي قد تبدو غير ذات قيمة. إذ يتبدّى كيف أنّ إخصاء ثور يكشف محنة جيل بكامله بعد محاولة محو آثار الماضي وزعزعة القيم الاجتماعيّة في مسعى لتسييد القيم الثوريّة، وإزالة الفروقات التي كرّست فروقات أخرى أعمق أثرا وأشدّ تأثيرا.

كما أنّ الذاكرة الشعبيّة والفلكلور الصينيّ يشكّلان معينا لمو يان ينهل منه ليبني عالمه الروائيّ، بحيث يتعرّف القارئ إلى الكثير من العادات والطقوس الخاصّة، وكأنّ الكاتب بصدد تقديم صورة مغرقة في محلّيتها في حلّة روائيّة بديعة.

14