ثروات الطاقة التونسية تدفع ضريبة رسوخ البيروقراطية

تدشين حقل نوارة يعيد طرح قضية تغلغل الفساد والبيروقراطية في قطاع الطاقة ومدى استفادة التونسيين من عائدات الغاز.
السبت 2020/02/15
إنتاج حقل نوارة سيغطي حوالي 20 في المئة من عجز الطاقة

لم تعد مسألة وجود احتياطات من النفط والغاز في تونس مثار جدل على الأقل في الوقت الحالي بعد أن دشنت السلطات مؤخرا حقل نوارة، أكبر اكتشاف للغاز في جنوب البلاد، وقد طال انتظار إطلاق المشروع منذ 2006، وذلك في أعقاب موجة احتجاجات واسعة لمطالبة الحكومة بتأميم تلك الثروات.

في كل مرة يتم فيها طرح هذه القضية بين التونسيين تتفجر النقاشات حول تغلغل الفساد والبيروقراطية في القطاع وغياب اعتماد رؤية استراتيجية تساعد على كبح استنزاف المال العام.

خلال السنوات الأخيرة نفت المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية (إيتاب)، وهي مؤسسة حكومية، صحة ما يشاع عن وجود احتياطات ضخمة من النفط والغاز في تونس، غير أن هناك دراسات أكدت عكس ذلك وقد دعم خبراء تونسيون ذلك الرأي مرارا وقدموا أدلة تثبت صحة ما يقولون.

ولكن مع إعلان وزير الصناعة في حكومة تصريف الأعمال سليم الفرياني الأسبوع الماضي، بشكل رسمي أن إعطاء الضوء الأخضر لبدء عمليات الإنتاج يعتبر “إنجازا تاريخيا للدولة”، وأن هناك مشاريع أخرى سيتم تدشينها ولعل من أبرزها حقل الزارات للغاز في ولاية قابس، تبقى العراقيل قائمة فضلا عن الخفايا التي تحوم حول هذا الملف الحساس.

ورغم تفاؤل السلطات بأن الحقل سينتح نحو مليون متر مكعب خلال أول أسبوعين من بداية عمليات الإنتاج ثم نحو 2.7 متر مكعب، استنادا على تقارير فنية، وأنه سيقلص من عجز الطاقة للبلاد، لكن يبدو أن قطاع الطاقة كغيره من القطاعات يدفع ضريبة رسوخ البيروقراطية.

واستنادا إلى تصريحات الفرياني، التي قال فيها إن هناك أطرافا تعيق البرامج الاقتصادية للدولة، وأن توظيف السياسة في هذه المسائل، وخاصة في ما يتعلق بقطاع الطاقة، يؤكد مدى الارتباك في تسيير شؤون البلاد، كما أنه يخلق مشكلات كثيرة قد لا تمكن الدولة من معالجة الأزمات المزمنة.

لكن الدستور التونسي فصل نهائيا في هذه المسائل وتضمن صراحة بندا يؤكد أن الثروات ملك للتونسيين وأن صناع القرار السياسي عليهم تنفيذ وعودهم لتوزيع عائدات تلك الثروات بشكل عادل، لكن هل تسير الأمور على هذا الشكل؟

بتسليط الضوء على قطاع الطاقة، فإن هناك 39 بئرا نفطيا فقط يتم استغلالها في تونس من إجمالي 750 بئرا تم اكتشافها منذ 1932 إلى غاية اليوم، وهي تنتج فقط 55 ألف برميل يوميا، ولكن حقل نوارة سيساهم لوحده بنصف الإنتاج المحلي من الغاز.

وعليه، فإن تونس تتوقع أن تقلص واردات الغاز بنحو 30 في المئة وأن إنتاج حقل نوارة سيغطي حوالي 20 في المئة من عجز الطاقة الذي يصل سنويا إلى ثلث الواردات والمقدرة بنحو 19 مليار دينار (نحو 6.2 مليار دولار).

تظهر البيانات أن تونس تسد قرابة 8 في المئة فقط من احتياجاتها الأساسية السنوية من الطاقة من موارد النفط والغاز المحلية والباقي يأتي عبر الاستيراد وخاصة من الجزائر.

إن آمال تحقيق عائدات مستدامة من الحقل قد تواجه مشكلة أخرى في حال طالب العاملون في المشروع والبالغ عددهم نحو 300 موظف بحوافز إضافية حتى لا يدخلوا في اعتصامات وبالتالي يتوقف الإنتاج الذي تشرف عليه شركة الطاقة النمساوية “أو.أم.في”.

لم تخل التقارير الدولية الصادرة عن صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، فضلا عن المذكرات المحلية الصادرة عن دائرة المحاسبات من إشارات تؤكد ضرورة اعتماد الحوكمة الرشيدة في قطاعي الطاقة والمناجم.

ولذلك يفترض الآن اعتماد رؤية طويلة المدى لدفع قطاع الطاقة إلى الأمام كون تونس تزخر بإمكانيات وكفاءات كبيرة يمكن الاستفادة منها لكبح الإنفاق على الطاقة.

10