ثروة الفوسفات المهدورة تعمق أزمة تونس الاقتصادية

بعدما كانت تونس تحتل المرتبة الثانية على مستوى العالم في إنتاج الفوسفات، باتت خارج التصنيف جراء تعطل الإنتاج وأصبحت شركة فوسفات قفصة مهددة بالإفلاس، بحسب الخبراء، وهو ما سينعكس سلبا على النمو الاقتصادي في البلاد.
الجمعة 2016/02/12
مورد يقترب من الإفلاس

تطمح تونس إلى إنعاش قطاع الفوسفات أحد أهم القطاعات الحيوية في البلاد، وتخطط للرفع في إنتاجه إلى نحو 6 ملايين طن في 2016، في خطوة يراها الخبراء صعبة على الأقل في الوقت الراهن.

وتراجع إنتاج الفوسفات إلى أدنى مستوياته بسبب موجات من الإضرابات العمالية التي أدت إلى تعطل الإنتاج في أكثر من مرة، في حين تسابق الحكومة الزمن لاحتواء التوترات الاجتماعية التي عمقت أزمة الاقتصاد التونسي المتعثر.

وتسببت الإضرابات في تعطيل استخراج الفوسفات ونقله في كامل المؤسسات التابعة للشركة في كل من المتلوي والرديف وأم العرائس التي تشكل أحواض الإنتاج الرئيسية في الجنوب التونسي، ويبدو أنه كان سببا كافيا لإقالة محافظ ولاية قفصة الطيب الزراعي، أمس.

وانخفض إنتاج الفوسفات بحسب بيانات حكومية رسمية بنسبة 41 بالمئة منذ بداية العام الحالي ليصل إلى 361 ألف طن، مقابل توقعات سابقة أشارت إلى وصول الإنتاج إلى 615 ألف طن خلال هذه الفترة.

ويرجع المسؤولون بشركة فوسفات قفصة هذا الانخفاض إلى استمرار الحركات الاحتجاجية للعاطلين عن العمل في مناطق إنتاجه، وأكدوا أن الشركة تعمل منذ أسابيع بطاقة إنتاج لا تتعدى الـ30 بالمئة.

وطرح الخبراء الاقتصاديون في تونس جملة من الحلول لعودة هذا القطاع إلى نشاطه المعهود، وأكدوا أن الحكومة التونسية لديها عدة خيارات لا تبدو صعبة في نظرهم لكن تفتقر إلى الإرادة.

وأكد الخبير الاقتصادي معز الجودي، رئيس الجمعية التونسية للحوكمة لـ”العرب” أن أمام الحكومة خيارين الأول يتعلق بحوكمة الشركة من خلال إدخال إصلاحات هيكلية عليها من بينها اعتماد جزء من الأرباح السنوية في تطوير الشركة.

وقال إن “مسألة حوكمة الشركات ليست بدعة بل تعتمدها العديد من الحكومات حول العالم لتطوير إنتاجية شركاتها بما يدر دخلا أكبر في خزينة الدولة حتى لو كانت هناك اضطرابات تعيق نشاطها”.

أما في ما يتعلق بالحل الثاني، وهو خصخصة الشركة إذ أن خصخصة الشركات كان أمرا معمولا به منذ زمن في تونس، غير أن الجودي قال لـ“العرب” إنه “من الأفضل طرح الشركة للخصخصة من رأس مال تونسي (رجال أعمال تونسيين)، لكن إن لم يقدم أحد على هذه المغامرة فهناك الكثير من الشركات الأجنبية تسعى إلى الاستثمار في هذا القطاع”.

وبحسب الخبير التونسي فقد كانت الشركة تجني أرباحا قبل 2011 تصل في الكثير من الأحيان إلى 2 مليار دولار في السنة، لكن انخفضت في السنوات الخمس الماضية بسبب التوتر الاجتماعي والأمني ما أثر على نمو اقتصاد البلاد، بينما حققت أرباحا العام الماضي بلغت قرابة مليار دولار فقط.

وتحتل تونس المرتبة الرابعة عالميا كمنتج للفوسفات، بمعدل إنتاج بلغ قبل يناير 2011 حوالي 8 ملايين طن سنويا، لكن حجم الإنتاج تراجع بشكل حاد ليصل في 2014 إلى نحو 4 ملايين طن، فيما بلغ خلال الربع الأول من العام الماضي نحو 650 ألف طن.

6 ملايين طن من الفوسفات تطمح تونس إلى إنتاجها بحلول نهاية هذا العام

وتوقع زكريا حمد وزير الصناعة والطاقة والمناجم، في وقت سابق، أن يرتفع إنتاج تونس من الفوسفات خلال العام 2016 إلى 6 ملايين طن.

وكشفت بيانات صادرة عن شركة فوسفات قفصة أن إنتاج تونس انخفض في العام الماضي بشكل حاد بنحو 60 بالمئة حيث لم يتجاوز 2.6 مليون طن انخفاضا من نحو 8 ملايين في 2010.

وبحسب بيانات وزارة الصناعة والمناجم فإن زيادة إنتاج الفوسفات ستقود حتما لإنعاش قطاعات الصناعة المعملية وغير المعملية بصفة عامة بنحو 2 بالمئة خلال 2016 إضافة إلى 6 بالمئة في الصادرات الصناعية.

وتقدر وزارة الصناعة التونسية الخسائر الناجمة عن تعطل الإنتاج بنحو 2 مليون دولار خلال الفترة من 2011 إلى 2015، وهذا الرقم يبدو بعيدا عن تقديرات الجودي.

وتصدر تونس حوالي 80 بالمئة من إنتاج الفوسفات إلى أكثر من 20 سوقا خارجية فيما تخصص الـ20 بالمئة الباقية للسوق المحلية، إلا أن موجات الإضرابات وتنامي المطالب الاجتماعية من تشغيل ورفع في الرواتب ومنح الإنتاج، تسببت في فقدان تونس لعدد من أسواقها الخارجية.

وتأمل حكومة الحبيب الصيد في إعادة استقطاب تلك الأسواق خاصة منها الأسواق الأوروبية التي تستحوذ على حوالي 75 بالمئة من صادرات تونس.

وتراجعت حصة تونس من صادرات الفوسفات في الأسواق العالمية من 4.5 بالمئة في 2010 إلى 3.2 بالمئة في العام الماضي.

وتقدر مساهمة قطاع الفوسفات والمنتجات المنجمية قبل ثورة 2011 بنحو 9 بالمئة من إجمالي عائدات الصادرات التونسية.

ووقعت تونس مع الصين أواخر العام الماضي اتفاقية تتعلق بمشروع وحدة جديدة لإنتاج الأسمدة الكيميائية يقع في مدينة المظيلة التابعة لمحافظة قفصة في الجنوب التونسي يقدر معدل إنتاجها السنوي بحوالي 400 ألف طن من الفوسفات الرفيع.

وتقول وزارة الصناعة إن الكلفة الإجمالية لإنجاز الوحدة يبلغ حوالي 320 مليون دولار وإنها ستدعم إنتاج تونس من الأسمدة الكيميائية.

وتعيش تونس أزمة اقتصادية حادة مع تراجع معدل النمو إلى أدنى مستوياته عند 0.5 بالمئة، وهو ما يحول دون تمكن الحكومة من الإيفاء بالتزاماتها المالية وما يعني أيضا تفاقم البطالة وارتفاع الدين الخارجي بسبب اضطرار الدولة للاقتراض لتغطية النفقات الاجتماعية والصحية ودفع رواتب موظفي القطاع العام.

وتحتاج تونس على أقل تقدير نسبة نمو بـ4 بالمئة لتكون قادرة على تحقيق استقرار مالي واجتماعي.

10