ثروت سويلم جنرال منتدب لإنقاذ الكرة المصرية من الفوضى والفساد

سويلم يدرك أنه أصبح تحت المجهر والجميع يترقّب خطواته وقراراته لتطهير اتحاد الكرة المصري من الفساد المالي والإداري.
السبت 2019/07/27
 يدير كرة القدم بفكر الجمهور قبل المسؤول

ليس مبالغة أن يُكتب عن ثروت سويلم الرئيس المؤقت لاتحاد الكرة المصري، أنه أكثر من المسؤولين الذين تقع عليهم ضغوط شعبية وحكومية وبرلمانية حاليا، بحكم تولّيه المهمة في ظرف دقيق، على خلفية استقالة أعضاء الاتحاد بعد الخروج المبكّر لمنتخب مصر من بطولة كأس الأمم الأفريقية الأخيرة، وسط اتهامات بالفساد المالي والإداري والتربّح من المنصب، تطارد الكثير من الأعضاء المستقيلين.

لم يسبق أن انشغل المصريون بحال كرة القدم في بلادهم ومتابعة أدق التفاصيل عن اتحاد اللعبة مثلما يحدث هذه الفترة، وهو ما نتج عنه تقديم أعضاء الاتحاد استقالاتهم الواحد تلو الآخر، وقام مجلس النواب بفتح ملف الفساد المالي والإداري لاتحاد الكرة، والتفتيش في الدفاتر القديمة لكل الأعضاء لتهدئة الرأي العام وامتصاص غضب الناس.

ويرى كثيرون أن اهتمام الجمهور بلعبة كرة القدم والغضب من أجل تطهيرها وإصلاح مسارها، ظاهرة صحيّة تعكس وعي الناس، لكن الأمر ذاته يحمل سوء حظ بالنسبة لثروت سويلم، لأنه تولّى مسؤولية الاتحاد بإخفاقاته وأزماته وفضائحه في ذروة اهتمام الشارع بالكرة على حساب التركيز في النواحي السياسية، وينتظر منه أن يقدّم حلولا في توقيتات قياسية.

المعارض الكروي

معارضو الحكومة يصنّفون تولّي سويلم رئاسة اتحاد اللعبة على أنه محاولة من النظام لإعادة “عسكرة اتحاد الكرة”، مثلما كان يحدث في سابقة
معارضو الحكومة يصنّفون تولّي سويلم رئاسة اتحاد اللعبة على أنه محاولة من النظام لإعادة “عسكرة اتحاد الكرة”، مثلما كان يحدث في سابقة

يدرك سويلم أنه أصبح تحت المجهر والجميع يترقّب خطواته وقراراته. ويشكّل الضغط الشعبي والرسمي لتطهير اتحاد الكرة من الفساد المالي والإداري، عبئا أكبر عليه، لأنه أصبح مطالبا أمام الحكومة والبرلمان والرأي العام والإعلام والقضاء بتقديم كل الوثائق التي تكشف المخالفات التي ارتكبت في عهد المجلس السابق، وعدم إخفاء قرائن يمكن أن تقود إلى محاسبة المتورطين في إفساد كرة القدم، مهما كان نفوذهم ومناصبهم.

صحيح أن سويلم كان المدير التنفيذي لاتحاد كرة القدم السابق، أي ضمن تشكيل الاتحاد المتهم بالفساد، لكن هناك عدة عوامل تحُول دون دخوله دائرة المحاسبة، منها أنه يتمتع بحصانة برلمانية باعتباره عضوا في مجلس النواب، والقانون ينصّ على تولّي المدير التنفيذي للاتحاد مسؤولية إدارته عند حلّه لاستقالة أعضائه، والأهم أنه اعتاد التغريد خارج سرب الاتحاد المنحلّ ورفض معظم قراراته.

يتمتع سويلم بعلاقة طيبة مع الجمهور، بعكس أكثر أعضاء الاتحاد السابق، الذين اعتادوا السير عكس اتجاه رغبات مشجعي كرة القدم، فهو تحفظ على قرار التعاقد مع المدرب المكسيكي خافيير أغيري، لتولّي مهمة المدير الفنّي للمنتخب المصري، لما يُثار حوله من سيرة كروية غير طيبة، والمبالغة في راتبه الشهري 110 آلاف يورو، إضافة إلى إظهار الامتعاض من بعض أسماء اللاعبين الذين انضموا إلى قائمة المنتخب.

ولم تقابل تصريحاته التي أطلقها عقب خروج المنتخب من “الكان” واستقالة أعضاء الاتحاد برفض جماهيري، أو تواجه باتهامات القفز من السفينة قبل الغرق، لأنه اعتاد الحديث بذات الطريقة وهو في المنصب، وقال إنّ أغيري كان مدربا متواضعا، واختيارات بعض لاعبي المنتخب خاطئة، ولن يتمّ التستّر على فساد أيّ عضو في الاتحاد السابق، وإدارة كرة القدم في مصر تشوبها بعض المصالح.

المصريون منشغلون هذه الأيام بحال كرة القدم في بلادهم وبمتابعة أدق التفاصيل عن اتحاد اللعبة أكثر من أي وقت مضى، بعد أن قدّم أعضاء الاتحاد استقالاتهم الواحد تلو الآخر، وقام مجلس النواب بفتح ملف الفساد المالي والإداري لاتحاد الكرة، والتفتيش في الدفاتر القديمة

يُوصف سويلم بأنه المعارض الكروي الذي وصل إلى كرسي رئاسة اتحاد اللعبة. وهو منصب تكاد تتقارب جماهيريته ونفوذه وتأثيره في الشارع مع أيّ منصب رفيع آخر في مصر، بحكم أنّ قطاعا كبيرا من السكان محبّون لكرة القدم، بالتالي فإنّ كل قرار له علاقة باللعبة يمسّ الملايين من المصريين بمختلف انتماءاتهم الكروية.

ميزته أنه اعتاد المشاركة في إدارة اتحاد الكرة بفكر المشجّع وليس المسؤول الذي يتخذ القرارات، وهو في برج عاجٍي غير عابئ برغبات الجمهور. فمثلا عندما كان يخرج أيّ عضو في اتحاد الكرة يدافع عن قرار خوض مباريات الدوري المحلّي أو كأس مصر دون جمهور، تراه يتحدث بلسان المشجّع ويردّ بنبرة غاضبة بأنه لا قيمة لمباراة تقام في غياب الجمهور، وتجنّب الأزمات لن يكون بحرمان الناس من دخول الاستاد.

عرف عنه الهدوء في التعبير عن رأيه، وهو يدلي بدلوه ولا يجبر الآخرين على الاقتداء به، ويأبي الدخول في صدامات أو مشاحنات، وفي ذروة التعصّب الجماهيري وتهديد بعض الأندية بالانسحاب من بطولة الدوري العام، مثل الأهلي والزمالك، فضّل الابتعاد عن المشهد وتجنّب الظهور في الصورة، لأنّ من كانوا يمتلكون القرار داخل الاتحاد ويسيطرون على مجريات الأمور لم تكن تستهويهم طريقة إدارته .

الضغط الشعبي والرسمي لتطهير اتحاد الكرة من الفساد المالي والإداري، يشكّل عبئا أكبر على سويلم، أمام الحكومة والبرلمان والرأي العام
الضغط الشعبي والرسمي لتطهير اتحاد الكرة من الفساد المالي والإداري، يشكّل عبئا أكبر على سويلم، أمام الحكومة والبرلمان والرأي العام

تظل أزمته في صراحته ووضوحه غير المحدود، لاعتقاده أن الجمهور من حقه معرفة كل شيء عمّا يدور في الكواليس، ولا يدرك الرجل ماذا يمكن أن يخرج للناس، وما المطلوب إخفاؤه لتجنّب حدوث أزمة في الشارع. وتظل مشكلته أنه ضيف دائم على وسائل الإعلام، ومن السهل استدراجه والحصول منه على معلومات هامة ومثيرة.

وقد كان السبب في إثارة جدل واسع بالشارع الرياضي مطلع العام الجاري عندما صرّح بأن خزينة اتحاد الكرة تحمّلت دفع غرامات نادي الزمالك لدى الاتحاد الدولي “الفيفا”، وتقدّر بـ300 ألف دولار، في حين تمّ خصم ست نقاط من رصيد النادي الإسماعيلي لعدم سداده 86 ألف دولار مستحقات وكيل المهاجم النيجيري جون أويري، وأصبح اتحاد اللعبة في نظر الجمهور غير محايد و”زملكاوي”.

خرجت تفاصيل وكواليس حدثت داخل جدران اتحاد الكرة، والقرارات التي جرى دراستها عن طريق سويلم، وكثيرا ما تمّ نفيها أو التراجع عنها بعد الجدل حولها قبل أن تصدر، الأمر الذي قد يشكّل أزمة له في حال استمراره على ذات النهج بعد تولّيه إدارة اتحاد الكرة ولو بشكل مؤقت، إذ أصبح مطالبا بالتمهّل في الإعلان عن تفاصيل إدارة المنظومة الكروية، والكفّ عن مشاركة الجمهور في اتخاذ القرارات لاختلاف انتماءاته الكروية.

رجل بالونات الاختبار

يصنّف البعض سويلم بأنه من هواة إطلاق بالونات الاختبار للجمهور، حتى في طريقة تعامله مع المواطنين في الدائرة الانتخابية التي دخل البرلمان من خلالها، يريد معرفة توجّهات الرأي العام، بالقبول أو الرفض أو الانقسام، ويجنّب نفسه أزمة اتخاذ قرار مرفوض بالإجماع، وهي سياسة نجح فيها مع مواطني دائرته الانتخابية في محافظة الشرقية بشمال القاهرة، وتمتّع بشعبية كبيرة ومشاركتهم في تحركاته.

يريد تطبيق تجاربه السياسية في التقارب مع الشارع على المنظومة الكروية دون مراعاة لاختلاف الظروف والتباين في وجهات النظر والتنوع في الانتماءات الكروية، وعدم الإدراك بأن القرار الكروي لا يصدر لفئة بعينها، بل للملايين من الناس يستحيل التوافق بينهم.

كانت آخر بالوناته التفكير بقوة في تكليف مدرب مصري بتدريب المنتخب القومي خلفا للمكسيكي أغيري. فالرجل لا تستهويه فكرة المدير الفني الأجنبي، وشغوف بأن تكون هناك شخصية وطنية تستطيع فهم الجمهور والتناغم مع طموحاته ومطالبه ورغباته، وتمتلك قدرة على التواصل مع اللاعبين، وعلى دراية بالبيئة المحليّة ومفرداتها وطقوسها الرياضية.

وكثيرا ما تصطدم بالونات سويلم في محاولته إرضاء الجمهور الثائر على وضع كرة القدم في مصر بتحديات بالغة الصعوبة، على رأسها ضياع هيبة اتحاد اللعبة في نظر مشجعي الأندية، وعندما سُئل عن آلية القضاء على الشغب والتعصّب واستخدام لغة التهديد والبلطجة، رد بشكل حاسم، “تطبيق القانون على الجميع دون استثناء أو هوادة أو محاباة أو خوف من مناصب مثيري الأزمات، الحل الأمثل لإعادة الانضباط في الملاعب، وإقصاء المتسبّبين في إثارة الجمهور، وإحداث القلاقل بين مشجعي الأندية”.

شجاعة استثنائية

يربط البعض ما بين الشجاعة الاستثنائية التي يتمتع بها عندما يتطرّق إلى أمراض المنظومة الرياضية في مصر وطُرق علاجها، وبين شخصيته وخلفيته العسكرية لعمله السابق كضابط شرطة، وتدرّجه في المنصب حتى حصوله على رتبة عميد، قبل أن يغادر الخدمة ويترشح لعضوية مجلس النواب عن دائرة أبوحماد التابعة لمحافظة الشرقية، شمال القاهرة، ويفوز في الانتخابات باكتساح.

بدأ سويلم حياته الأمنية كضابط في عدة أقسام شرطة، ثم رئيس عمليات قطاع شرق القاهرة

وبعدها مدير شؤون الضباط بمديرية أمن الأقصر، جنوب مصر، وانتهت مسيرته الأمنية بشغل منصب مدير نادي ضباط الشرطة، بعدها حصل على الدكتوراه في مهارات الإدارة والعلاقات العامة.

لا يروق للبعض تصعيد شخصيات عسكرية لإدارة المنظومة الرياضية في مصر، ويصنّف معارضو الحكومة تولّي سويلم رئاسة اتحاد اللعبة على أنه محاولة من النظام لإعادة “عسكرة اتحاد الكرة”، مثلما كان يحدث في أنظمة سابقة، في محاولة للسيطرة على الملاعب وتوظيف الرياضة في خدمة السلطة وتوجيهها حيث تريد دوائر الحكم.
ويرى مشجعون بأن قمّة الانضباط الأخلاقي والرياضي في الملاعب المصرية كانت وقت رئاسة عسكريين لاتحاد اللعبة، على غرار اللواء الدهشوري حرب، وهو ضابط شرطة، وسمير زاهر، الذي خرج من الجيش برتبة عقيد وفاز المنتخب المصري في عهده ببطولة كأس الأمم الأفريقية أربع مرات آخرها عام 2010.

سويلم ومع أنه كان المدير التنفيذي لاتحاد كرة القدم السابق، أي ضمن تشكيل الاتحاد المتهم بالفساد، إلا أن هناك عدّة عوامل تحول دون دخوله دائرة المحاسبة، منها أنه يتمتع بحصانة برلمانية باعتباره عضوا في مجلس النواب

يأمل سويلم أن يكون ثالث عسكري يخلّد اسمه في ذاكرة الجمهور المصري ويُعيد ضبط المنظومة الرياضية بشكل صارم دون رضوخ للضغوط والتهديدات، ويقصي أصحاب المصالح من المشهد الكروي، ويحقق رغبات الملايين في إعادة الجمهور إلى الملاعب مرة ثانية، ويدير اللعبة بشكل احترافي بعيدا عن أهل الثقة والمشكوك في نزاهتهم وخبراتهم وتاريخهم، بما يمهّد لإعادة هيبة الأندية والمنتخب على الساحتين الأفريقية والدولية.

تنتهي فترة رئاسة سويلم لاتحاد الكرة بعد أشهر قليلة، وبعدها يتم إجراء انتخابات للجمعية العمومية لاختيار مجلس جديد يدير اللعبة، لكن ثمّة مؤشرات كثيرة تذهب إلى أن هذا الجنرال يمكن أن يستمر في المنصب بالانتخاب، بحيث تدعمه دوائر وجهات لها مصلحة في بقاء شخصية أمنية معروف عنها الانضباط والخبرة في إدارة الأزمات، وتتناغم مع الجهات الحكومية التي لها علاقة بإدارة اللعبة وعلى رأسها المؤسسة الأمنية.

لذلك، قد لا يجد الجنرال سويلم صعوبة في إنجاز الكثير من الملفات الملحّة التي تدعم بقائه في المنصب لسنوات، لأن دوائر الحكم التي تعتبر ملف كرة القدم مثيرا للأزمات والمشكلات، بحاجة لدعمه وتذليل العقبات أمامه، باعتباره شخصية قادرة على إدارة الأمور بحكمة وحنكة وصرامة في آن واحد، وهي سمات ربما لا تتوافر في كثيرين على الساحة الرياضية.

الجمهور والحرمان

جرأة سويلم عندما يتطرّق إلى أمراض المنظومة الرياضية في مصر وطرق علاجها، يربطها البعض بخلفيته العسكرية، وعمله السابق كضابط شرطة
جرأة سويلم عندما يتطرّق إلى أمراض المنظومة الرياضية في مصر وطرق علاجها، يربطها البعض بخلفيته العسكرية، وعمله السابق كضابط شرطة

قد يتم إعادة النظر أمنيا في حرمان الجمهور من حضور المباريات، والتدخّل لتلجيم رؤساء أندية بعينهم اعتادوا استعراض القوة وإظهار رئيس اتحاد الكرة في صورة شخص ضعيف قليل الحيلة لا يستطيع اتخاذ مواقف صارمة، بحيث يُحسب ذلك للجنرال سويلم خلال فترة رئاسته المؤقتة للاتحاد، وتكون هناك مطالبات من الجمهور وأعضاء الجمعية العمومية باستمراره في المنصب لكونه حقّق الكثير من رغبات المشجعين.

سويلم يمتلك رصيدا كبيرا عند رجال الأمن، فهو الذي اعتاد منذ دخول البرلمان الدفاع عن الحقوق المالية والأدبية للضباط والأمناء بمختلف قطاعات وزارة الداخلية، وهو النائب الوحيد الذي تقدّم بمشروع قانون لتخصيص كادر يخص رواتب ومعاشات رجال الشرطة، وحظي بتأييد ودعم الأغلبية البرلمانية، أي أنه لن يجد صعوبة في انتزاع دعم الأمن له.

واليوم أصبح سويلم الرجل القوي في الكرة المصرية، أي صاحب الكلمة العليا في المنظومة الكروية، بعكس الفترة السابقة التي كان خلالها رئيسا تنفيذيا لاتحاد اللعبة، ولم يكن صاحب قرار، بل مجرّد شريك في إبداء الرأي بالقبول أو الرفض، بالتالي ما كان يأمل في فعله ولم يستطع لأي سبب، أضحى بإمكانه القيام به كمسؤول أول عن كل شيء يخصّ كرة القدم.

12