ثريا جبران التي كانت تحبها أمي

الجمعة 2014/05/23
جبران تلخص مرحلة كبرى من تاريخ المسرح المغربي

ثريا جبران كانت تحبها أمي، كانت تشير إليها وهي تقدم أول أدوارها مع الطيب الصديقي، وكنت أشاهدها وهي تتحرك على الخشبة في مسرحيتي “سيدي عبدالرحمان المجذوب” و”أبي حيان التوحيدي” اللتين كانت تنقلهما شاشة التلفزة في بداية السبعينات من القرن الفائت.

ثريا جبران، فنانة مسرحية مغربية تلخص مرحلة كبرى من تاريخ المسرح المغربي والعربي، تلخص مرحلة انتقال المسرح المغربي من المرحلة الكولونيالية إلى مرحلة التجريب بعد الاستقلال.

ستصل ثريا جبران إلى فرقة الفنانين العرب مع الطيب الصديقي، وستشارك في المسرحية العربية “ألف حكاية وحكاية في سوق عكاظ” مع نخبة من الممثلين والفنانين العرب، وستتألق لكي تحصل على جائزة أفضل ممثلة في مهرجان بغداد سنة 1985.

أمي كانت تحب ثريا جبران، كما أحبتها كل الأمهات في المغرب، وكل الناس.

الانطلاقة الثانية لثريا جبران ستكون نهاية ثمانينات القرن العشرين، رفقة زوجها المخرج المسرحي عبدالواحد عوزري، سيؤسسان معا فرقة “مسرح اليوم،” التي ستشكل إحدى أهم الفرق المسرحية في المغرب، وستقدم نموذجا متميزا سواء في اشتغالها الاحترافي، أو في طبيعة الأعمال المسرحية التي تقدّمها.

انطلق مسرح اليوم بمسرحية “حكايات بلا حدود” إعدادا عن محمد الماغوط، وإخراج عبدالواحد عوزري، وقدّمت مسرحا بأسلوب جديد، وباحترافية عالية، وبنوع من استثمار شعبية ثريا جبران لتقديم مسرح وسط بين الجماهيرية والتجريبية. “حكايات بلا حدود” وقد حلت فيها الروح الساخرة لمحمد الماغوط ومضمونها السياسي اللافح، قدّمت تجربة متميزة في المسرح المغربي.

“مسرح اليوم” بالثنائي ثريا جبران وعبدالواحد عوزري، صنع، ربما لأول مرة في المسرح المغربي، ما يمكن تسميته باستراتيجية الإنتاج المسرحي، وفق رؤية ذكية ومحددة. فبعد الماغوط، ستحاول الفرقة أن تستقطب أهم الأسماء والكتاب وصناع السينوغرافيا. وكانت الضربة القوية تتمثل في مسرحية “بوغابة” وهي تستقطب كاتبا مشاغبا مثل محمد قاوتي، ليستنبت “السيد بونتيلا وتابعه ماتي” لبرتولد برشت، وليهندس سينوغرافيتها الطيب الصديقي، وليقدم فرجتها ممثلون سيكون لهم شأن كبير في المسرح المغربي مثل محمد بسطاوي، وعبداللطيف خمولي، وطبعا ستلعب ثريا جبران دور الصاحي السكران، “بوطربوش” أو “السيد بونتيلا” كما في النص الأصلي.

في دور بوطربوش في مسرحية بوغابة، تألقت ثريا، وحققت المسرحية صدى جماهيريا كبيرا لم تصل إليه مسرحية من قبل، وقدّمت الفرقة جماعة من الفنانين الذين شكلوا استثناء حقيقيا في المسرح المغربي.

ثريا جبران التي كانت تحبها أمي -وأحببتها قبل أن تتأسس أيّة علاقة لي بالمسرح، أحببتها لأن أمي كانت تحبها- تهادت تجربتها في “مسرح اليوم” صامدة، مناضلة، فالمسرح في المغرب نضال بلا شك، بل في العالم العربي برمّته، وقدمت مسرحيات لافتة مثل “نركبو لهبال” من تأليف عبدالواحد عوزري و”النمرود في هوليود” لبرشيد و”سويرتي مولانا” و”الشمس تحتضر” و”أيام العز″ و”اللجنة” و”طير الليل” و”إمتا نبداو إمتا” و”البتول”، و”العيطة عليك” و”امرأة غاضبة” و”الجينرال” و”أربع ساعات في شاتيلا”، و”ياك غير أنا”.

سيُلقي المسرح بثريا جبران إلى ضفاف السياسة، وستجد نفسها يوما ما وزيرة للثقافة، بقيت ثريا الوزيرة هي نفسها ثريا الممثلة المسرحية، وخلال نفس المرحلة كانت التلفزة تقدّم المسلسلات أو الأعمال السينمائية التي شاركت فيها “السيدة الوزيرة” قبل استوزارها، وكانت تصلنا أصداء ذلك من نقاشات في ردهات البرلمان والحكومة والأصوات التي كانت تطالب بتوقيف بث تلك المسلسلات لأنها لا تتناسب مع “هيبة السيدة الوزيرة”. وكانت تصلنا أصداء إصرار ثريا على تقديم تلك الأعمال، لأنها لم تتخلّ يوما عن هوية الفنان فيها، ولم تتخلّ يوما عن انتمائها للفن وللمسرح، وكانت تدافع عن ذلك.

وزيرة، بحجم فنانة، أيهما الأكبر؟ المهم، ثريا الوزيرة لم تتخلّ عن هوية الفن، ولم تتخلّ عن المسرح، لهذا، ربما، وجدت نفسها يوما ما مريضة، إذ من المستحيل أن تجمع في اللحظة نفسها بين الفنان والسياسي، لا بدّ أن تتخلّى عن أحدهما، وفي النهاية، تخلّى جسد ثريا عن السياسي، وحافظ على الفنان، ثريا أثبتت لنا أن الفن قد ينتصر على السياسة بهدوء؛ شكرا لك ثريا.

كاتب من المغرب

15