ثـورة.. فحكم.. فـ"إرهـاب".. 2012.. الشعب يـنتخب الإخوان.. 2013 الشعب يسقط الإخوان

الجمعة 2013/12/27
يتوقع المراقبون مواجهة حادة في الأيام المقبلة بين الحكومة والإخوان

القاهرة- بعد عام واحد في السلطة، مرت جماعة الإخوان المسلمين بأصعب مرحلة منذ تأسيسها عام 1928، فبعد عزل الرئيس محمد مرسي المنتمي إليها ثم وضع آلاف من أعضائها في السجون، اتخذت الحكومة المصرية الأربعاء قرارا غير مسبوق باعتبارها “تنظيما إرهابيا”.

في مثل هذا الوقت من سنة 2012، كانت جماعة الإخوان المسلمين في قمّة نشوتها بفوزها في الانتخابات الرئاسية في مصر.

ودخلت العام 2013 وهي تعدّ العدّة لتحكم السيطرة على البلاد. ولم يكد العام ينتصف حتى تحوّل إلى سنة كبيسة تبخّرت فيها الأحلام الوردية بإعلان “الفتح الإخواني” انطلاقا من مصر. لينهار الهيكل الإخواني على بنّائيه بعد أعمال العنف التي استشرت في البلاد منذ عزل الرئيس الإخواني محمّد مرسي. وتستعدّ الجماعة لاستقبال سنة 2014 وهي تحمل صفة “إرهابية”.

مدة زمنية طويلة استغرقت 8 عقود فصلت بين تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر وبين وصولها إلى الحكم، في مسقط رأسها. ولكن كلّ هذه السنين من التخطيط والعمل وجمع المال والدعم والعيش في المنافي، ذهبت سدى في أقل من سنة أثبت فيها الإخوان فشل سياستهم، بل تراجعوا خلال هذه السنّة إلى الوراء أكثر، إذ بعد ما كانوا جماعة محظورة أصبحوا جماعة إرهابية.

يضع المراقبون المصريون قرار الحكومة المصرية اعتبار جماعة الإخوان المسلمين “تنظيما إرهابيا” في سياق عزمها على “اجتثاث” هذا التنظيم تماما، ويعتبرونه قرارا متوقّعا في سياق أحداث العنف التي تشهدها البلاد منذ عزل الرئيس السابق محمد مرسي القيادي البارز في الجماعة.

ويقول المحامي والناشط الحقوقي أمير سالم، إنه “من حيث الأصل وطبقا لقانون العقوبات المصري وتعديلاته، فإنه يعتبر تنظيما إرهابيا كل تنظيم يعمل بشكل سري وقام بتشكيل تنظيمات عسكرية أو شبه عسكرية”، وبالتالي فإنه كان “منطقيا صدور قرار اعتبار الإخوان المسلمين تنظيميا إرهابيا، بعد كل أعمال العنف التي شهدتها البلاد ولا تزال حتى الآن”.

بعد حوالي ثلاث سنوات من حادث الهروب من سجن وادي النطرون استعادت وزارة الداخلية قوتها من جديد. وعاد الرئيس مرسي ليقبع خلف أسوار السجن الذي هرب منه

واعتبر أن القرار الأهم هو حكم محكمة القاهرة للأمور المستعجلة في أيلول/سبتمبر الفائت بـ”حظر تنظيم جماعة الإخوان، والتحفّظ على أمواله ومقراته وممتلكاته والتحفّظ على أموال قيادات الجماعة”.

وقرَّر مجلس الوزراء المصري، في بيان أصدره عقب اجتماع عقده الأربعاء الماضي، إعلان جماعة الإخوان المسلمين “تنظيما إرهابيا”، وفقا لمفهوم المادة 86 من قانون العقوبات المصري مع ما يستتبعه من تداعيات تتمثل في توقيع العقوبة على كل من انضم إلى جماعة الإخوان المسلمين وكل من استمر في عضوية الجماعة عقب صدور القرار.

وينص القانون المصري اتساقا مع جميع الدساتير السابقة، على حظر إنشاء أية تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية، وأن الدولة وحدها هي من تملك سلطة حفظ الأمن والدفاع عن البلاد، ويعاقب كل من ينتمي إلى جماعة تنشئ تشكيلا مسلحا بموجب المادة 86 من قانون العقوبات المصري، كُل وفقا للاتهام المنسوب إليه ما بين الاشتراك أو التحريض أو التمويل أو القيام بعمل إرهابي، وهي عقوبات تتراوح بين السجن لمدة خمس سنوات والإعدام.

ويعتبر المتابعون للشأن المصري أن أكبر خسارة تكبّدتها جماعة الإخوان المسلمين، لا تتمثَّل في قرار اعتبارها “تنظيما إرهابيا” بالنظر لعقود طويلة من الصراع مع الدولة المصرية بدء بالعهد الملكي حينما قرَّر رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي باشا، حل الجماعة ودفع حياته ثمنا للقرار، مرورا بحل الجماعة خلال حكم الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، واعتقال قيادات الجماعة لسنوات طوال وانتهاءً بالقرار الأخير، ولكن تكمن تلك الخسارة في حكم القضاء بالتحفّظ على أموالها ومقراتها وأموال قادتها.

وكان وزير العدل المصري المستشار عادل عبد الحميد، قرَّر، عقب حكم محكمة عابدين للأمور المستعجلة في 23 أيلول/سبتمبر الفائت بحظر أنشطة تنظيم الإخوان المسلمين، وجماعة الإخوان المسلمين المنبثقة عنه، وجمعية الإخوان المسلمين وأية مؤسسة متفرعة منها أو تابعة لها أو منشأة بأموالها أو تتلقى منها دعما أو أي نوع من أنواع الدعم، تشكيل لجنة لإدارة أصول وأملاك الجماعة والجمعية والجمعيات الأهلية التابعة لها.

لم يكن أمام الجماعة بد من الفرار من قبضة عبدالناصر سوى الاستعانة بالولايات المتحدة الأميركية

غير أن المحامي والناشط الحقوقي أمير سالم، اعتبر أن “تأثير التحفّظ على أموال الجمعيات المرتبطة بالإخوان والتيارات الإسلامية على البسطاء هو تأثير محدود”، موضحا أن “تلك الجمعيات لم تكن تقدّم للفقراء إلا القليل الذي لا يسد الرمق سواء كان مبلغا زهيدا لا يتجاوز 20 جنيها (حوالي 3 دولارات) أو بعض المواد التموينية”.

ورأى أن “التأثير السلبي لها كان أكثر ويكمن في إدارة الجمعيات من جانب أشخاص يعملون وفقاً لفكر تمييزي، يفرِّق بين أبناء الوطن الواحد بين مسلمين ومسيحيين”، متسائلا “هل ساعدت هذه الجمعيات يوما ما شخصا مسيحيا؟”.

وشدَّد على ضرورة خضوع جميع الجمعيات ذات الصبغة الاجتماعية لإدارة الدولة سواء كانت هذه الجمعيات إسلامية أو مسيحية، مؤكدا أنه في كل الأحوال فإن وضع الجمعيات الخيرية تحت إدارة الدولة وعلى الرغم من البيروقراطية التي يعرف بها الجهاز الإداري للدولة؛ إلا أنه في كل الأحوال سيكون ذلك أفضل من أن تخضع تلك الجمعيات لأشخاص يعملون على تعميق الانقسام بين أبناء الوطن الواحد.


التاريخ يعيد نفسه


تعتبر جماعة الإخوان المسلمين -التي أسسها حسن البنا سنة 1928- من أقدم التنظيمات الإسلامية في مصر والعالم وأكبرها، كما أن لها تأثيرا على الحركات الإسلامية في العالم، وذلك بما تتميز به من ربط عملها السياسي بالعمل الإسلامي الخيري.

وكانت الجماعة، التي كانت حركة المعارضة الأكثر تنظيما على مدى عقود حكم حسني مبارك الثلاثة، تهدف في البداية إلى نشر القيم الإسلامية والعمل الخيري، إلا أنها سرعان ما انخرطت في العمل السياسي ورفعت شعارها الشهير “الإسلام هو الحل”. وينشط الإخوان المسلمون في المساجد حيث يقدمون المساعدة للفقراء وكذلك في الجامعات والنقابات المهنية.

وخلال تاريخهم، تأرجح الإخوان المسلمون بين المعارضة العنيفة للسلطة وبين التعاون، ولجؤوا في كثير من الأحيان إلى العنف لتحقيق سياستهم. ففي أربعينات القرن العشرين، قام الإخوان المسلمون بأعمال عنف دامية، وخصوصا اغتيال رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي في 1948 والقاضي أحمد الخازندار في العام نفسه.

وقد أدى ذلك إلى تعرض أعضاء الجماعة لقمع شديد. وتم حظر جماعة الإخوان المسلمين رسميا عام 1954. وبين 1954 و1970 وجه لها جمال عبد الناصر ضربات موجعة، إثر تعرضه لمحاولة اغتيال نسبت إلى الجماعة. واعتقل يومها الآلاف من الإخوان.
1/3 المصريين يتهمون الإخوان بارتكاب هجوم الدقهلية

وفي 1971، أفرج أنور السادات، الذي خلف عبد الناصر، عن المعتقلين من الإخوان المسلمين وأعلن عفوا عاما عن الجماعة قبل أن ينتهج حسني مبارك سياسة الاحتواء تجاههم التي أتاحت لهم بعض حرية الحركة مع توجيه ضربات “إجهاضية” لهم من حين إلى آخر.


تحالف أميركا والإخوان


ولم يكن أمام الجماعة بد من الفرار من قبضة عبدالناصر سوى الاستعانة بالولايات المتحدة الأميركية، حيث اتصل الشيخ محمود مخلوف وابن شقيقه السيد الهضيبي المرشد العام بالسفير الأمريكي “هنري” لتسهيل سفر إحدى صديقات موشي شاريت وزير خارجية إسرائيل مقابل إزاحة عبدالناصر أو مساعدة الإخوان في الاتصال بعبد الناصر، وعرض مخلوف على السفير الأمريكي صفقة وهي عند وصول الإخوان إلى السلطة فمن الممكن عمل حوار أو مفاوضات للصلح مع إسرائيل. وهي السياسة نفسها التي اتبعها الطرفان إثر ثورات الربيع العربي، فلولا دعم أميركا ومباركتها ما كان للإخوان أن يصلوا إلى السلطة بتلك السهولة، رغم ادعاءاتهم بأن صندوق الانتخابات هو الذي أوصلهم.

16 عدد قتلى التفجير الانتحاري الذي استهدف مديرية أمن الدقهلية

سنة 1948 نفّد الإخوان أشهر اغتيال سياسي لهم، يعدّه البعض الاغتيال الأول في تاريخ الجماعة، ذهب ضحيّته رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي، يوم 28 ديسمبر 1948، بعد إقدامه على حل جماعة الإخوان المسلمين في 8 ديسمبر 1948.


مخطط حرق مصر


أنشأت الجماعة “التنظيم الخاص أو التنظيم السري لجماعة الإخوان المسلمين”، هو نظام عسكري أُسس عام 1940 لإعداد نخبة من الإخوانالمسلمين للقيام بمهمات خاصة والتدريب على العمليات العسكرية.

وكانت بداية المواجهات الدامية وتقديم السلاح والعنف لهذه الجماعة في 22 مارس 1948 عندما قتل إثنان من الإخوان المسلمين والقاضي أحمد الخازندار، بأوامر مباشرة من الإمام حسن البنا، وذلك لإصداره حكما قاسيا على أحد أعضاء الجماعة سبق أن اتهم بالهجوم على مجموعة من الجنود الإنكليز في أحد الملاهي الليلية.
من هذه اللحظة بدأ سيناريو حرق مصر بداية من 20 يونيو 1948 ليصل ذروته اليوم، ومثلما اشتعلت النيران في حارة اليهود في 19 يوليو 1948، اشتعلت النيران في الكنائس والميادين المصرية عقب عزل الرئيس الإخواني محمد مرسي في 30 يونيو.
وفي 19 يوليو من نفس العام تم تفجير أشهر محلين في القاهرة وهما: شيكوريل وأركو وهما، وتوالت أعمال العنف والتفجيرات لتشمل القاهرة بالكامل، إضافة إلى وقوع عدة انفجارات عنيفة بمحافظات مجاورة للقاهرة، ودارت معارك مسلحة بين طلاب الإخوان والبوليس الذي واجه عنف الجماعة بالسلاح، خاصة بعد قتل حكمدار العاصمة “سليم زكي” على أيدي الإخوان المسلمين.

ليعيد التاريخ نفسه في 2013، مع محاولة فاشلة لاغتيال وزير الداخلية المصري، اللواء محمد إبراهيم، في أكتوبر الماضي، أعقبتها إثارة العنف والفوضى بالبلاد من خلال تكرار السيناريو الإخواني بحرق أقسام الشرطة، والاعتداء على الكنائس ودور العبادة وتصاعد حدة العنف والإرهاب في المحافظات وعلى الحدود المصرية بقتل المجندين والاعتداء على معسكرات الجيش والأكمنة الأمنية من قبل الإخوان والجماعات الإسلامية، ومهاجمة المدنيين والعزل.

350 على الأقل من أفراد قوات الأمن قتلوا في تفجيرات وحوادث إطلاق نار منذ عزل مرسي

وفي أحدث أعمال عنف، وليس آخرها، التفجير الذي هزّ يوم الثلاثاء 24 ديسمبر مدينة المنصورة ووجهت فيه أصابع الاتهام إلى الإخوان مثلما تم اتهامهم بالضلوع في التفجير الذي وقع أمس الخميس بقنبلة يدوية الصنع على حافلة نقل عام بحي مدينة نصر غداة إعلان الحكومة المصرية جماعة الإخوان المسلمين “تنظيما إرهابيا”. ومنذ عزل مرسي قتل 350 على الأقل من أفراد قوات الأمن في تفجيرات وحوادث إطلاق نار.


من السجن إلى السجن


في أيام حسني مبارك الأخيرة في السلطة عام 2011 تركزت أنظار العالم على القاهرة حيث كان مئات الألوف من المحتجين في الشوارع يطالبون باستقالته. ولم ينتبه كثيرون إلى فرار مجموعة من قادة الإخوان المسلمين من زنازينهم في سجن وادي النطرون في الصحراء بعيدا عن العاصمة.

وكان من بين زعماء الإخوان المسلمين الذين فروا في ذلك اليوم محمد مرسي الذي أصبح في العام التالي رئيسا لمصر. وبعد حوالي ثلاث سنوات من حادث الهروب استعادت وزارة الداخلية قوتها من جديد. وأحيل بعض كبار قادة الجماعة المحتجزين الآن إلى المحاكمة. وعاد الرئيس مرسي ليقبع خلف أسوار السجن الذي هرب منه، وتعود الجماعة إلى السرّية والدموية.

وينظر المراقبون بحذر إلى ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، التي يتوقعون أن تكون حُبلى بأحداث كبرى عنوانها الرئيسي العنف، خاصة مع اقتراب الاحتفالات بالسنة الجديدة وإجراء الاستفتاء على مشروع الدستور المعدَّل الذي يمهِّد للانتخابات النيابية والرئاسية المرتقبة، في مسعى من السلطات المصرية إلى “اجتثاث” تنظيم الإخوان المسلمين من الحياة السياسية المصرية.


الإخوان المسلمون "جماعة إرهابية"

6