ثقافاتنا المتخلفة وأوهام التحديث

الجمعة 2015/08/14

في إحدى جلساتنا بشارع كوينزوي وسط لندن قال لي الناقد السوري خلدون الشمعة مرّة بأن تغيير البنية المادية يمكن أن يتمّ سريعا أمّا تغيير الثقافة فأمر مختلف تماما إذ يحتاج إلى زمن طويل.

في هذا السياق أعتقد أن الدكتور سمير أمين على حق في الملاحظة المهمة التي سجلها في كتابه “نحو نظرية للثقافة” والتي يلخصها في أن علوم السياسة والاقتصاد والتكنولوجيا قد قطعت شوطا معتبرا وخاصة في العالم الغربي الأكثر تصنيعا، أما النظريات المكرسة لدراسة البعد الثقافي للمجتمعات الإنسانية فلا تزال ناقصة وفي حاجة إلى عمل كبير.

وهنا نطرح هذا السؤال: لماذا يحتاج تغيير البنى الثقافية إلى زمان طويل، ولماذا لا توجد نظرية حاسمة وموحدة للثقافة كما في علم الفيزياء مثلا والتي بموجبها يمكن إحداث تحويل راديكالي سريع في البعد الثقافي في حياة الإنسان؟ لا شك أن التقنية والعلوم ذات الصبغة المادية تتمتع بخاصية بعدها نسبيا عن العاطفة البشرية، في حين نجد مفهوم الثقافة في أي مجتمع ذا بعد نفسي، وهي لصيقة بشكل عضوي بالوجدان والعواطف والقيم الاجتماعية والدينية، وهذه العناصر لا تتغير بسهولة، وقد يتطلب ذلك -في حالة النجاح- سنوات طويلة إن لم نقل مئات السنين لأن فصل الثقافة عن العاطفة أمر معقد ولا يتمّ بسهولة.

إن هذه القضية قد أولاها المفكر الألماني هربرت ماركيوز أهمية قصوى وذلك في كتابه “الإنسان ذو البعد الواحد” وتحديدا أثناء مناقشته لمشكلة كبيرة جدا، والتي تتمثل في فشل عدد كبير من دول العالم الثالث في بناء التصنيع الأكثر تطورا في مرحلة ما بعد استقلالها. في هذا الخصوص تساءل ماركيوز “عمّا إذا كان بحكم المؤكد أن البلدان المستعمرة أو نصف المستعمرة سابقا ستبني صيرورة للتصنيع مختلفة جوهريا عن صيرورات الرأسمالية…؟ وهل هناك في ثقافة هذه البلدان وتقاليدها ما يشير إلى التطور في اتجاه كهذا؟ وهنا يلاحظ ماركيوز أن تحقيق التطور النوعي في بلدان العالم الثالث صعب لأنه “يتعايش فيها التصنيع مع ثقافة ما قبل صناعية ومعادية للتصنيع”.

إن عمليات إعادة إنتاج مثل هذه العادات والتقاليد المتخلفة في الدول النامية التي تتزامن أيضا مع “نقطة انطلاق هذه المجتمعات من منجزات العصر الليبرالي” الذي صنعته ثقافات مجتمعات غربية متطورة لنفسها، هو الذي جعل هذا المفكر يخلص إلى نتيجة متشائمة وهي أن “هذه البلدان هي على وشك الاستسلام لشكل من الاستعمار الجديد (وما أكثر أنواع الاستعمار) وإما لنظام من التراكم البدائي ذي طابع إرهابي بهذا القدر أو ذاك”.

كاتب من الجزائر مقيم في لندن

15