ثقافة ألعاب الفيديو الجديدة.. إدانة لمساوئ المجتمع الغربي

الاثنين 2013/12/09
استشراء ثقافة الحرب في ألعاب الفيديو

باريس- ولع الإنسان باللعب منذ القدم، وابتكرت كل حضارة صيغا من الألعاب شتى، منها ما ثبت ودام، ومنها ما اندثر وزال. وقد صنفها الفرنسي روجيه غالوا في كتابه "الألعاب والبشر" (غاليمار، 1958) إلى أربعة أصناف لا تتعداها وهي التباري agôn، والحظّ alea، والتظاهر mimicry، والتيه ilinx.

ومع ظهور أنواع جديدة من الألعاب تتوسل بالتقنيات السينمائية، انكب الفلاسفة على تحليل بنيتها الترفيهية وسلوك اللاعبين، مثل جاك هنريو في "اللعب" (المنشورات الجامعية بفرنسا، 1969)، وسيبستيان جنفو في "اللعب في العصر الرقمي" (لارماتان، 2009)، ولا يزال الاهتمام يتزايد على قدر تطور التقنيات الحديثة، وانتشار ألعاب الفيديو انتشارا صار ينافس الفن السابع.

انطلقت ألعاب الفيديو في أميركا منذ نصف قرن تقريبا، وقوبلت بمثل ما قوبلت به السينما، فقد حصرها المناوئون، في بداياتها، في خانة الترفيه، وأنكروا عليها أي صبغة ثقافية، ولم تلق الاعتراف إلا بعد الحرب العالمية الثانية. كذلك الشأن مع ألعاب الفيديو التي تطورت بتطور الوسائل الحديثة، وصارت تلقى الرواج خصوصا لدى الجيل الذي نشأ معها، ويدرك أكثر من سواه ما تختزنه، (فمن تعلم ركوب الدراجة وهو صغير، لا يمكن أن ينساه، على حدّ عبارة الفرنسي جيل فيلديو، مندوب النقابة الوطنية لألعاب الفيديو)، مثلما صارت على صلة بالسينما، تأخذ منها وتؤثر فيها، وباتت تحظى بمعارض دورية وسنوية تقام لها بانتظام في أميركا وأوروبا وآسيا.


ميزانيات ضخمة


إذا كانت في عمومها منضوية ضمن تصنيف كايوا، تقترح أنماطا من اللعب تساعد المتباري على استكشاف عوالم مخصوصة، عبر مغامرات متعاقبة ينهض بها أبطال أو بطلات، فإن الملمح الطاغي عليها هو العنف، بكل أشكاله، وهو المأخذ الرئيسي الذي لبسها كالعليقة منذ الثورة الرقمية.

وبرغم اعتراض جمعيات الأولياء وحتى النقابة العامة للشرطة في فرنسا، على توجهها العنيف اعتراضا بلغ حدّ نشر قضايا لدى المحاكم لسحبها من الأسواق، اكتسحت الفضاءات العامة والخاصة، وصارت اليوم تلقى إقبالا منقطع النظير، سواء ما تعلق منها بفيديوهات الرياضة البحتة، كفيديوهات الفيفا والفرمولا وان، أو فيديوهات الرعب والحروب والقتل، مثل "نداء الواجب" وخصوصا سلسلة "السرقة الموصوفة" GTAGrand TheftAuto.

هذه السلسلة،التي بيع من أجزائها الأربعة مئة وخمسون مليون نسخة منذ صدور جزئها الأول عام 1997، تدعمت بجزء خامس GTA V استقبله الهواة استقبالا فاق كل التوقعات، إذ بيع منه منذ صدوره في سبتمبر/ أيلول الماضي ثلاثون مليون نسخة، وحقق في ثلاثة أيام عائدات بقيمة مليار دولار. تلك الأرقام الخيالية ليست وليدة الصدفة، بل هي متأتية من حرص الشركات المنتجة على اعتبار الألعاب صناعة قائمة الذات، شأنها شأن السينما، ترصد لها الأموال الطائلة، وينتخب لإنجازها أمهر كتاب السيناريو وأبرع التقنيين وأفضل المخرجين وأكثر المغنين حضورا في الساحة. وقد قدرت كلفة هذه اللعبة بـ270 مليون دولار، أي بزيادة 90 مليون دولار عن كلفة شريط "أفاتار" لجيمس كاميرون الذي اعتبره نقاد الفن السابع حدّا فاصلا بين مرحلتين: ما قبل "أفاتار" وما بعده.

الطريف هذه المرة أن المحللين الجادين اعتبروا هذا الجزء عملا فنيا متكاملا، استفاد من الأدب في تخير بطل يعاني من مرض نفسي psychopathe خصوصا في رواية "أميركان بسيكو" لبريت إيستون إلّيس، ومن السينما في لغته الحوارية المشوبة بالعنف والبذاءة وخاصة "بولب فيكشن" لكنتين ترنتينو، ومن المسلسلات الدرامية في بناء شخصية صعلوك مضطرب نفسيا كما في "السوبرانوس"، وفي رحابته السردية كما في سلسلة "تحت التنصت".


بعد وجودي


في نظر المحللين تعتبر مثل هذه الالعاب تجربة بصرية وسمعية ساحرة، مشفوعة بتأمل أخلاقي فلسفي حول العالم المادّي واللذة الترفيهية، ومغامرة فنية فاتنة حوت كل الأجناس الفنية وخاطبت كل الحواسّ بشكل لم يسبق له مثيل في وسائط الاتصال الأخرى.

وإذا كان السيناريو لا يختلف كثيرا عما درجت عليه السلسلة في أجزائها الأخرى، حيث يتقمص اللاعب "إهاب" كل من ساءه الحلم الأميركي فبحث عن المجد والمال في الأنشطة الإجرامية، فإنه هنا ذريعة للغوص في مدينة لوس أنجليس (أو لوس سنتوس كما وردت في اللعبة) المرصودة رصدا واقعيا عبر صور تعدّ بمئات الألوف لشوارعها ومعالمها ومتاحفها وقاعاتها وساحاتها، يجد فيها الناظر لوحات دفيد هوكني مثلما يجد كليشيهات هلموت نيوتن.

وكما هي الحال في مسلسل "تحت التنصت" يستكشف اللاعب مختلف طبقات المجتمع، متنقلا من غيتو السود إلى فيلات بيفرلي هيلز الفاخرة، مشيا على القدمين أو على متن سيارة وحتى في مروحية، في نوع من الحرية المطلقة، فالتنقل من مرحلة إلى مرحلة، بصرف النظر عن كمية المال المنهوبة، يشبه إلى حدّ بعيد مسعى غزو الغرب الأميركي لدى المهاجرين الأوروبيين الأوائل، أو النزول على سطح القمر، في سعيه إلى استكشاف موضع من لوس سنتوس لم تطأه قبله قدم.

الطريف أيضا أن اللعبة تقوم على بعد وجودي، يطرح على اللاعب فرصة للتأمل (متى ينبغي عليه أن يفعل ما يفعل، وما معنى النجاح المادي المبني على الجريمة وحدها)، وإمكانية للاختيار بين الانتقال إلى درجة أعلى أو الاقتناع بالتجول في فضاءات المدينة، والتمتع بمناظرها الفاتنة. يقول أوليفييه موكو، أستاذ العلوم السياسية، في كتابه "الوجه الآخر للحلم الأميركي": "ما يحسب لهذه اللعبة هو تقديم عالم من الإمكانات، يكشف فيه كل فرد عن سوداويته أو رغبته في المثالية".

فاللاعب يمكن أن يتقمص دور أحد أشرار دوستيفسكي فينشر الرعب والدمار، أو يجول بسيارته متمتعا بالغروب في "سنسيت بولفارد" على وقع أغنية لجوني كاش أو إحدى الأغنيات الأخرى التي يبلغ عددها 240 أغنية. واللعبة، وإن كانت تتمثل فلسفة عوالم "ليبنتز" والرب الذي يحسب العواقب، وتمنح إمكانية تجريب عدة عوالم مبرمجة بكيفيات مختلفة، هي في النهاية إدانة لمساوئ المجتمع الغربي.

في كتابه "فلسفة ألعاب الفيديو" يرى ماتيو تريكلو أن هذه اللعبة، في أجزائها الخمسة، ينبغي النظر إليها في علاقتها بالعنف، حيث كل شيء فيها جائز لبطل يتقمص دوره اللاعب، أو يحركه على هواه، في فضاء لا يختلف عن الواقع، ولكن خلل التصنّع المعلوماتي يتجلى في غياب ما يميز الطبع البشري وهو الجدل والحوار. فالبطل في مثل هذه الألعاب، كما يقول، يمكن أن يلكم وجه أحد خصومه أو يدوس المارة بسيارته، ولكنه لا يستطيع أن يدخل معهم في جدل أو نقاش.
16