ثقافة اختلاق الهوية

الأربعاء 2016/01/20

يلفت النظر توالي ظهور الأصوات المشككة في الهوية العربية، ليس بالمشرق فقط، حيث التمايزات الدينية والإثنية الكثيرة، ولكن أيضا في المغرب، مترافقة مع محاولات لإحياء هويات قديمة بعضها منقرض، وبعض آخر في طور الكمون، ربما، كنوع من الاحتجاج على الوضع المزري الذي وصل إليه حال العرب. أو للتمرد على هوية يراها المشككون غير حقيقية أو مغلقة غير قابلة للتطور.

ولعل ما يجمع هـذه المحاولات، سعيها غير العـادل إلى الانتقـاص مـن العرب، والحط من قدرهم، والتشكيك في منجزهم الحضـاري، بل والطعن في هـويتهم الجامعة، على المستويات كافة بما في ذلك مستوي الثقافي.

ربما، تحاول الهويات المستحدثة أن تجد مبررات لوجودها في نقدها لطبيعة القوى السياسية التي حملـت الأيديـولوجيا القومية العربية، والتي أنتجت أنظمة شمولية حولـت تلك الفكـرة النبيلة التي نادى بها رواد مطلع القرن العشرين، إلى مجرد مطية للوصول إلى سلطة غاشمة فاسدة، ولكن ليس من حقها، هذه الهويات، أن تذهب بعيدا في نقدها وأن تصل إلى الماضي، مُسقطة الحالة الراهنة على زمن مضى، له ما له وعليه ما عليه، وإلا فإنها ستعيد إنتاج الوعي الاستبدادي الإلغائي، الذي سعت إلى إشعال الحرب ضده.

الهوية العربية حقيقة واقعة، لا أحد يستطيع إنكارها أو إلغاءها، بسبب الوضع العصيب الذي يعيشه العرب، وقد أثبتت هذه الهوية أنها قوية جدا في الجانب الثقافي، على الأقل، فالجوائز الأدبية الكثيرة، ومنها جائزة البوكر للرواية العربية، وتلك المسابقات العابرة للحدود، وبرامج المواهب التي تبثها القنوات الفضائية العربية، ما هي إلا دليل على نشاط هذه الهوية وليس خمولها أو اضمحلالها.

وهذا يعني أن ثمة حاجة ملحّة لإعادة النظر في بعض المسلّمات القومية، والبحث في أبعاد جديدة لهذه الهوية العربية التي تجمع الكثير من الشعوب في بوتقتها وفضائها الواسع، وتشكل مظلة للكثيرين، رغم صعوبة الواقع.

نحن بحاجة إلى ثورات كثيرة داخل هذه الهوية تصوبها وتضعها في سياقها الإنساني المتماشي مع روح العصر، وجوهر التقدم العلمي والبحثي على المستويات كافة. وربما من أهم هذه الثورات، إعادة النظر في مناهج التاريخ الذي يدرّس في المدارس والجامعات العربية، وتخليصها من بعدها الأحادي، وفق منهج نقدي علمي، من شأنه أن يسقط الكثير من الأوهام التي يظنها البعض بمثابة الحقائق المطلقة، ومن ذلك، فكرة “العصر الذهبي”، والفتنة الكبرى، و”عصور الانحطاط”، إذ أن الكثير من الأسس التي تعتمدها هذه الأفكار المدمرة المعيقة للتطور السليم، تستند إلى روايات واهية كتبت وفق أهواء وميول سياسية ودينية، لاحقة ولا علاقة لها بأصل الموضوع.

ومن المسلمات التي ينبغي دحضها، بل محاربتها، عدم الإقرار بالخصوصيات العرقية وحتى المذهبية، والكف عن التشكيك بالمختلف، فالأمم الواثقة من نفسها لا يرعبها وجود مختلفين بين ظهرانيها.

هو طريق شاق وطويل، ولكنه يبدو مثل قدر حتمي، لا بدّ من عبوره للوصول إلى برّ الأمان في هذا البحر المتلاطم من الأهواء والتحديات والأفكار.

كاتب من سوريا مقيم في الإمارات

14