ثقافة الأبواق والتكفير

الاثنين 2017/12/11

أثارت إقالة المسرحي التونسي معز مرابط من رئاسة “دار المتوسط للثقافة والفنون” التي تنظم مهرجان الحمامات الدولي، بشكل مريب، حفيظة الكثير من المبدعين والمتابعين للساحة الثقافية التونسية، نظرا إلى أن مرابط قدم خلال توليه لدورتين من مهرجان الحمامات الدولي تظاهرة أكثر من محترمة، جمعت الفنون الأدائية كافة، من مسرح وموسيقى، منفتحة على أهم الأصوات العالمية في الموسيقى والتي تزور تونس للمرة الأولى، إضافة إلى تقديم الدورة الأخيرة صائفة 2017، على غرار سابقتها، لعروض مسرحية وتشكيلية منفتحة حتى على الأدب.

الدورتان 2016 و2017 من المهرجان كانتا ناجحتين بشكل كبير، إضافة إلى سعي المنظمين لجعل المهرجان إقامة فنية تتلاقح فيها الفنون كافة، وتتواصل أعمالها طيلة السنة، مؤسسين لمشهد ثقافي دائم، يبتعد بنا عن عقلية التظاهرة المؤقتة والتي لا تملك عمقا لها.

الكثير من التصورات قوبلت إثرها دار المتوسط للثقافة والفنون بالترحيب من مختلف الأطياف الثقافية رغم الوعي بصعوبة المهمة المستقبلية الطموحة، ورغم تلكؤ وزارة الثقافة المشرفة عليها خاصة في ما يتعلق بالتمويل، وهو الأمر الذي تعللت به الوزارة التي تسعى ضمنيا إلى إعدام مهرجان الحمامات لغايات خفية.

المؤسسة والمهرجان نجحا حتى في التفوق النوعي على أعرق المهرجانات التونسية، ألا وهو قرطاج، فالحمامات باختياراته النوعية وسعيه إلى تقديم منتج ثقافي بدل منتج ترفيه، منتج له عمقه، أصبح ربما يزعج بنجاحاته المنتفعين الثقافيين، الذين تمتلئ بهم وزارة الثقافة. هؤلاء البيروقراطيون الذين يريدون بسط سيطرتهم على كل شاردة وواردة، فيما لم يتجاوزوا نوافذ مكاتبهم حتى بالتطلع إلى الشمس، هؤلاء الذين تسببوا سابقا في استقالة الشاعرة التونسية أمال موسى من إدارة مهرجان قرطاج الدولي، والتي سوغتها بأن عناصر من الوزارة تسيطر على كل مفاصل المهرجان بشكل خفي تنفذ الصفقات وتسطر البرامج وفق أهوائها ومصالحها. الصورة ضبابية جدا في حال معز مرابط، لكن من الجلي أن هناك “يدا خفية” ليست يد القدر طبعا، يدا لا تريد منتجا ثقافيا عميقا ودائما، يدا تعودت على اللعب بالحقائق، وعلى الاستكانة وانتهاز ما يمكن انتهازه، في عتمة ما تحت طاولات المكاتب.

هذه اليد نفسها من دفعت عاليا بكل الأصوات التي تملكها بنجاح تظاهرات عديدة مثل ساحات الثقافة، فيما واقع الأمر فشل ذريع، ستفشل حتى الماكنة الإعلامية وغيرها في “بهرجة” صورته الزائفة.

مشاريع وهمية تقدمها الوزارة، لا تتجاوز الصور والأرقام كما ذكرنا في مقال سابق، وإن كنا نتوقع أيضا انخراط حتى مشروع مدينة الثقافة في هذا الوهم، لكننا نبقى على أمل “يأتي ويذهب”. الوهم الذي نقصده هو عدم خلق مشاريع فعلية مؤثرة وذات مردود ملموس، بل هي فقط أرقام ومشاهد طارئة تزول سريعا.

ليس الإشكال في إقالة معز مرابط كشخص ولا كإدارة، رغم أنه فعل مرتجل وبلا مبرر، لكن الإشكال في طريقة عمل وزارة الثقافة التي وإن أصغينا لكلام وزيرها محمد زين العابدين حول المشاريع والإنجازات إلخ، لذُهلنا وانتعشنا فرحا، لنستيقظ مباشرة على صدمة أن الرجل يقدم فقط خطابا سياسيا سلطويا مفرغا، ولا يقدم شيئا للثقافة والمثقفين غير الوهم. ومن جهة أخرى ففي حدث الإقالة الأخير، رمى الوزير مدير المهرجان بتهمة سوء التصرف، دون الخوض في ذلك. وهذا هو الوجه الآخر لتهمة التكفير.

وزارة الثقافة التونسية التي لا تزال تحافظ على أساليب العمل القديمة نفسها، لكن مع تلميعها بخطاب يدعي الانفتاح والتشارك والديمقراطية وعمق الرؤية إلخ.. فيما الحقيقة أن وزارة الثقافة لا تعمل وفق مشروع أو سياسات مدروسة، بل من خلال سياسات فردانية ارتجالية مشخصنة وترقيعية طارئة، ستؤدي بالثقافة والمثقفين إلى واقع خطير، بينما يكمن الإصلاح في البناء على ما هو إيجابي وإعادة هيكلة فعلية للقطاع الثقافي التونسي والعمل باستقلالية عن السلطة، وهو ما فشلت فيه حتى الآن، فتحولت الوزارة إلى بوق للسلطة والمسؤولون إلى بوق لوزير السلطة، ومن هم تحت المسؤولين إلى أبواق أيضا للوزير بوق السلطة، فيما السلطة نفسها بوق لأهواء أفراد هم أبواق بدورهم. كتيبة أبواق لا تقدم ثقافة ولا حقائق ثقافية بل أصواتا خاوية مهما ارتفعت.

شاعر تونسي

14