ثقافة الأم

الخميس 2016/02/11

جميل أن يحب المرء أمه.. جميل أيضا أن نرى كل هذا الزّخم من الفنّانين والمغنين والمطربين الشّباب الذين لا يترددون أثناء استجواباتهم في تذكيرنا بعشقهم لأمهاتهم.

عموما ليس من المبالغة في شيء أن نعتبر حب الشاب لأمه وضعا طبيعيا بحيث يبدو الإصرار على تأكيده مستغربا بعض الشيء.. والسؤال الآن، لماذا كل هذا الإصرار – جهارا نهارا بمناسبة ومن دونها- على التّذكير بشعور هو أقرب إلى الحتمية العاطفية والطبيعية؟

عندما يتعلق الأمر بالزوجات أو الحبيبات، برفيقات العمر أو شريكات الحياة، فمعلوم أننا نختارهن بأنفسنا بعد تردد وتذبذب، وقد ننهي العلاقة في أي لحظة أو حين تنطفئ شعلة الحب، وعلى نفس القدر، لهن ما لنا وعليهن ما علينا من حق طبيعي في إنهاء العلاقة حين تنطفئ شعلة الحب. فالحب كما النار سريع التوهج سريع الانطفاء. ولسنا نشك في أن هشاشة الحب تحير الألباب وتزعج القلوب، لكن تلك الحيرة هي التي تجعل من الحب معركة مستدامة، بمعنى أنها تجعل الحب ممكنا.

في هذا الإطار يحمل التذكير والجهر بالعشق معنى واضحا، إنه يعني الإصرار على مواصلة طريق معرض للانقطاع، وملامسة شعاع يتهدده الأفول، ومداعبة زهر يتوعده الذبول. أن نحب معناه أن نخوض معركة غير آمنة ضد الموت والملل والرتابة، معناه أن نخوض معركة خطرة حتى الرمق الأخير.

إن ما يجعل الحب متعة أنه مغامرة غير مضمونة النتائج. بمعنى أن الحب إما أن يكون محاطا بالمخاطر معرضا للتّهديد وإما لن يكون. هنا يبدو الإصرار على تكرار الإعلان عن الحب كأنه تضميد بلاغي للهشاشة الأصلية للحب.

هذا واضح الآن، لكن حين يتعلق الأمر بالأم فإننا هنا بالذات نعلم بأن لا أحد يختار أمه. إذ يبقى الارتباط بالأم معطى غريزيا وطبيعيا وحتميا أيضا. وأمامنا سؤال آخر، ألا يكون التعبير المتكرر عن حب الأم بمثابة تضميد لهشاشة من نوع آخر؟

فعلا يبدو هناك شيء غير طبيعي في الإصرار على التذكير دائما وأبدا بمحبة الأم، كأنما يتعلق الأمر بتوتر لاشعوري ورغبة نفسية في التغطية على مشاعر مخجلة لم تتخط عتبة الفطام بعد.

هنا بالضبط تكمن معضلة الفطام بمعناه الثقافي. وبهذا المعنى نفهم كلام المفكر المغربي عبدالله العروي: الأمي ليس من لا يقرأ ولا يكتب، لكن الأمي هو المرتبط بالأم. بمعنى أن الأمي هو الشخص الذي لم يفطم بعد. ومرة أخرى، فالفطام هنا بمعناه الثقافي.

تقول الدعابة: للفرنسي زوجة وصديقة لكنه يحب زوجته، وللإيطالي زوجة وصديقة لكنه يحب صديقته، وللعربي زوجة وعشر صديقات لكنه يحب أّمه. لربما تعكس هذه الدعابة وجهة نظر ذكورية بطريركية بامتياز، لكنها تحمل أيضا شيئا من الحقيقة.

24