ثقافة الإرهاب مستمرة بمعزل عن بقاء التنظيمات المسلحة

الكثيرون يتطلّعون لمعرفة مستقبل المنطقة في حقبة ما بعد داعش. كما لو أن ظهور التنظيم الإرهابي صار فاصلة بين تاريخين. المراقبون والمحلّلون يرون أنّ لغة العنف والفوضى ضاربة بجذورها في تاريخ المنطقة ونسيجها الثقافي والاجتماعي، ممّا يزيد من تعقيدات الحلول المرتقبة ويبقي الأبواب مشرّعة على أكثر من قراءة ومصير. وحال شعوب المنطقة العربية والإسلامية تختلف عن غيرها من تلك التي مرّت بأحداث عاصفة وحكمتها نظم دموية واستبداديّة، ذلك أنّ الأمر يتجاوز المعالجة بوصفة سياسية وعسكرية جاهزة كما يخيّل لبعضهم، بل يكمن في طبيعة بناء اجتماعي وثقافي، يمثّل حاضنة تستمرّ حتى وإن وقع إفراغها من عملية التفريخ.
الأربعاء 2016/05/25
هل ينتهي الإرهاب والعنف بانتهاء تنظيماته

مبدئيا تبدو الفكرة التي تحمّل داعش مسؤولية ما شهدته المنطقة من فوضى، هي فكرة تخون الحقيقة، وقد لا أجانب الحقيقة حين أؤكد أن داعش، ممثلا لسواه من التنظيمات الإرهابية، لا يتحمل المسؤولية عن وقوع جزء ولو صغير من تلك الفوضى.

ظهر الإرهابيون في ما كانت الفوضى تضرب بعواصفها مجتمعاتنا، أمّا حين يختفون فلا شيء ينبئ أو يشير إلى أن تلك الفوضى ستزول أو يضعف عصفها الذي يعبر عن نفسه من خلال أشد تجلياته فتكا وهو العنف. بالنسبة إلى الشعوب التي كانت تتطلع إلى تغيير أحوالها من خلال الانقلاب على أنظمة الاستبداد لم يكن توقّع ظهور التنظيمات والجماعات الإرهابية جزءا من برنامجها، غير أنّ مسألة تقليد ما جرى من تحولات في بلدان العالم الشيوعي السابق تبدو عصية ومستحيلة التنفيذ في العالم العربي.

وكما بدا واضحا خلال السنوات القليلة الماضية، فإنّ العنف الذي لم يكن مدرجا في برامج التحول المأمول كان في الوقت نفسه يحتلّ حيزا كبيرا في المرجعيات الثقافية والتربوية التي تستند إليها تلك البرامج.

كما أن داعش لا يشكل الجهة الأولى والوحيدة التي طرحت العنف حلا لمشكلاتها مع الآخرين وللمشكلات التي تعاني منها المجتمعات.

هل أبالغ إذا ما قلت إن هناك مَن تخيل وآمن بأن تنظيم داعش هو الحل؟

ما من أحد في إمكانه أن ينكر أنّ داعش كان إلى وقت قريب أكثر شعبية من النظامين العراقي والسوري ومن معارضيهما أيضا.

الأميركيون هم الأكثر معرفة بأن القاعدة الشعبية لما يسمّى بالتنظيمات والجماعات الإرهابية هي التي حالت دون استعادة الدول لمناطقها المحتلة من قبل تلك الجماعات، وتقف الموصل العراقية في مقدمة تلك المناطق.

الأميركيون هم الأكثر معرفة بأن القاعدة الشعبية والجماعات الإرهابية هما اللتان حالتا دون استعادة الدول لمناطقها المحتلة

الاعتراف الأميركي لا يدين الشعب بسبب غفلته بقدر ما يدين سلوك النظام العراقي المريض بطائفيته ويحمّله تبعة دفع الشعب إلى حضن التنظيم الإرهابي.

كان هناك عنف مبرمج قابله الشعب بالترحيب بعنف مضاد، في محاولة يائسة للبحث عن لحظة خلاص، تبيّن في ما بعد أنها لم تكن إلاّ وهما، غير أنّ الخطأ الذي ارتكبه سكان المناطق التي تخلى عنها الجيش العراقي من غير قتال لداعش يمتد بجذوره إلى المرجعيات التربوية والثقافية التي سبق وأن أشرت إليها، ولم يكن وليد سنوات العزل والتهميش والإقصاء والاضطهاد الطائفي وحدها.

كان هناك استعداد داخلي لدى الشعب المظلوم للقبول بالعنف حلاّ.

وفي حالة ملتبسة من هذا النوع، هل يمكننا أن نأمل بولادة تاريخ جديد في المناطق التي سيتم ترحيل التنظيم الإرهابي منها، كالرقة في سوريا والموصل في العراق؟

لا أعتقد أن شيئا من ذلك سيقع وعلى الأقل في المستقبل القريب.. هناك تجارب مريرة شهدها العراق في ديالى والرمادي وتكريت بإمكانها أن تقدم صورة مجسدة للمناطق المحررة التي لن تتمكن من العودة إلى صدر الوطن الدافئ، بسبب ارتفاع نبرة لغة العنف على لغة التسامح.

قد تكون مرحلة ما بعد داعش في تلك المناطق أسوأ من مرحلة داعش أو تضاهيها من جهة ما تنطوي عليه عمليات قهر وإذلال، وصولا إلى الإبادة الجماعية، كما حدث في ديالى حين قتلت إحدى الميليشيات الشيعية حشدا من المصلين في أحد المساجد. ليس غريبا أن يستجيب “خليفة المسلمين” لطلب تتقدم به الإدارة الأميركية بإخلاء المناطق التي يحتلها تنظيمه الإرهابي من غير قتال أو قتال جزئي. ولكن الحدث الغريب الذي تخشى الإدارة نفسها وقوعه وتتوقّعه، يمكن إيجازه في الإبادة التي سيتعرض لها المدنيون بحجة الانتقام من داعش، وهو ما يضع كل شيء على الميزان الخطأ.

أخيرا يمكن القول إنّه سيختفي تنظيم داعش، ولكن ثقافته باقية. وتتمدّد ما لم تنته العقلية الانتقامية وثقافات الثأر المبنية على مظلوميات ذات بعد طائفي واجتماعي ضارب في القدم.

والخطر لا يزول بزوال فلول الإرهاب والتقتيل، ذلك أنّ الأحقاد وعمليات التطهير الطائفي والعرقي ستستمر تحت ذرائع مختلفة، لكنها تصب في أمر واحد، مردّه تلك الأنظمة المريضة بطائفيتها وتعطّشها إلى القتل.

13