ثقافة الإنجاب تتحدى مساعي الحكومات العربية لتنظيم النسل

نجاح الحكومات في مواجهة تحدّي النمو السكاني يرتبط بقدرتها على التخلص من الخرافات التي كرسها متطرفون في أذهان الناس باستغلالهم ارتفاع معدلات الأمية.
الأربعاء 2020/10/21
الانفجار الديموغرافي عبء على الحكومات

تشكل الزيادة السكانية تحدّيا أمام الحكومات العربية، وخاصة في الدول التي تشهد ارتفاعا هائلا في معدلات الإنجاب مثل مصر التي بلغ عدد سكانها 100 مليون نسمة في فبراير الماضي. ويرى خبراء أن الموروث الديني الخاطئ وثقافة الإنجاب المتجذرة في المجتمع وارتفاع نسبة الأمية عوامل ساهمت في استشراء الظاهرة. ويقترح هؤلاء تغيير السياسات القائمة على التعامل مع قضية خفض الإنجاب كمشروع استثماري حيث ستكون عوائده وأرباحه أكثر، وذلك من خلال استخدام إجراءات عقابية من خلال اقتصار تقديم الدعم المالي للعائلات التي تنجب طفلين فقط، وذلك لتحفيز الأسر على تنظيم النسل.

القاهرة- لا تزال استراتيجية بعض الدول العربية في مواجهة الزيادة السكانية بعيدة عن أرض الواقع، وترتكز على خطط لا تتناسب مع التحديات الفعلية، المرتبطة بالمعتقدات المتجذرة لدى الأسر، والمتعلقة بكيفية إقناع الأهالي بحتمية خفض معدلات الإنجاب.

ويمكن بسهولة اكتشاف حجم مخاطر الإنجاب العشوائي في دول، مثل مصر وسوريا والعراق والأردن والسعودية، لأن عدد السكان يتضاعف تقريبا كل نحو ثلاثين عاما، وقد تجاوزت مصر المئة مليون نسمة، في حين أنه خلال منتصف السبعينات كان نصف هذا الرقم تقريبا.

وحسب دراسات بحثية واقتصادية، من المتوقع أن يصل عدد سكان الدول العربية إلى 650 مليون نسمة بعد نحو عشر سنوات، في حالة استمرار المعدلات الحالية للإنجاب دون تحرك حكومي قوي، وهو رقم ضخم يتحدى التحسن النسبي في معدلات التنمية في دول تعاني من أزمات اقتصادية طاحنة.

ويصعب فصل الزيادة السكانية المطّردة عن المعتقدات الدينية والاجتماعية الراسخة في أذهان الأسر، وهو ما تنبهت إليه تونس ولبنان بتركيز جهودهما على ضرب المعتقد الديني حول زيادة معدلات الإنجاب.

وبدا واضحا، أن نجاح الحكومات في مواجهة تحدّي النمو السكاني يرتبط بقدرتها على التخلص من الخرافات التي كرسها متطرفون في أذهان الناس، باستغلالهم ارتفاع معدلات الأمية.

وسعت دول عربية إلى تحجيم الإنجاب بتغيير الأفكار الدينية الخاطئة، لكن المعضلة كانت في تأخر الخطوة حيث أوقع البعض فريسة لقناعات شاذة، إذ لم تكن له قدرة على الفرز بين الصواب والخطأ، فتجاوب بشكل أعمى مع ربط زيادة المواليد بالعقيدة.

موروث ديني خاطئ

مصر

يكتشف المتابع لتحرك المؤسسات الدينية في مصر وجود محاولة لتغيير الفكر السائد لدى المجتمع حول شرعية تنظيم الأسرة، وتندرج الخطوة وفق مساعٍ حكومية حثيثة، لاستخدام الدين في وقف الزيادة السكانية التي تعتبر أخطر من الإرهاب.

ويعد الفارق بين تونس ومصر، في تحدي المعتقدات الدينية المرتبطة بزيادة المواليد، أن الأولى اعتمدت سياسة منعت تعدد الزوجات وقدمت حوافز للعائلات التي تلتزم بتحديد النسل، ودخلت في صدامات قوية مع أطراف دينية ونجحت في المعركة.

وبالنظر إلى مصر، فإنها بدأت للتو في خوض الحرب على التطرف الديني الذي يغذي كثرة الإنجاب، في حين أن تونس بادرت بالخطوة في سبعينات القرن الماضي. كما أن المؤسسات الدينية المصرية تتعامل مع المتشددين بسياسة المواءمات، لا المعارك الشرسة بنسف المعتقدات وفضح المآرب.

ويظل أكبر تحدٍ أمام القاهرة إقناع الأغلبية بتنظيم النسل، خاصة أن الناس يحصلون على المعلومات من رجال الدين الذين يصدرون صورة سلبية عن المؤسسة الدينية الرسمية ويقنعون الرأي العام بأنها تتحدث وتفتي بلسان السلطة، وأن توجهاتها سياسية.

وإذا كان الخطاب الديني الذي يستهدف تغيير قناعات الأهالي حول مفاهيم الإنجاب، أقصر طرق خفض الزيادة السكانية، فالمعضلة الأكبر ترتبط بهوية من يقدم خطابا يؤثر في المجتمع: هل المؤسسات التي تراجعت مصداقيتها، أم الشيوخ الذين يلتقون الناس ليلا ونهارا ويستخدمون الآيات القرآنية والأحاديث في الإقناع؟

لجأت وزارة الأوقاف إلى تخصيص برنامج دعوي للأئمة والوعاظ حول مخاطر الزيادة السكانية وشرعية تحديد وتنظيم النسل، لتغيير المعتقدات الخاطئة حول الإنجاب، لكن هناك تحديات أكبر، تتعلق بأن الأغلبية تتعامل مع رجل الدين التابع للحكومة باعتباره موجها ليؤدي غرضا بعينه، ولو كان بالطعن في التراث الإسلامي.

مصر

وصارت أجهزة الدولة في مأزق يصعب الخروج منه بسهولة، فهي تجاهد ليشعر الناس بالتغيير والإنجازات والتنمية، لكن لا يقتنع كثيرون بذلك أمام زيادة أعداد المواليد بشكل غير مسبوق، وفي نفس الوقت لا تستجيب الأغلبية لخطاب الحكومة بأن “تحسن مستوى المعيشة مرهون بخفض الإنجاب”.

وأصبحت المؤسسات الدينية التي تدخلت مدفوعة سياسيا بإباحة تنظيم النسل، مشكوكا في نواياها، لأنها في الماضي القريب حرّمت التصرف ثم عدّلت مواقفها، وبالتالي صارت الأغلبية ترتكن إلى رأي الشيوخ، فهم يتحدثون ويحرمون بالقرآن والحديث، والمؤسسة الرسمية تحلل أيضا بالقرآن والحديث، فمن يكسب المعركة؟

وقال عمرو حسن مقرر المجلس القومي للسكان بمصر سابقا، إن أكبر تحدٍ تواجهه الحكومة في الوقت الراهن، أن الدعاة العشوائيين أقنعوا الناس بأن الإسلام دين يشجع على كثرة الإنجاب، وتغيير الفكرة مهمة صعبة، خاصة عندما تصل معدلات الأمية بين النساء في مصر إلى نحو 31 في المئة، وفي بعض المحافظات تتجاوز الخمسين.

استراتيجية بعض الدول العربية في مواجهة الزيادة السكانية بعيدة عن أرض الواقع
استراتيجية بعض الدول العربية في مواجهة الزيادة السكانية بعيدة عن أرض الواقع

وأضاف لـ”العرب”، أن “أغلب رجال الدين الذين يلجأ إليهم الناس للحصول على فتوى خاصة بالإنجاب، لا يدعمون توجهات الحكومة، وهذا خطر داهم يواجه استراتيجيتها، في وقت تسعى فيه لتفكيك الأفكار المتحجرة عند المجتمع بشكل حتمية تنظيم النسل، للحفاظ على الحد الأدنى من معدلات التنمية”. يُصّعب هذا التحدي من مهمة الحكومة في انتزاع مشروعية لخطة خفض المواليد ليكون لدى كل أسرة طفلان فقط، لأن استمرار زيادة الإنجاب تحت غطاء ديني يدحض أي خطوة من شأنها تغيير الثقافة المرتبطة بالنسل، فقد أصبح لكل فصيل مجتمعي ميراثه الفكري الذي يبني عليه مبرراته حول كثرة الأبناء.

هناك سدود منيعة تحول دون إقناع المتدينين بالفطرة بتنظيم النسل، لأن هؤلاء يسترشدون بآراء السلفيين الذين صاروا من أهم المفتين لرواد المساجد، ويروجون لكثرة الإنجاب بنظرة مقدسة مدعومة بآيات قرآنية أشهرها “المال والبنون زينة الحياة الدنيا”، وحديث النبي محمد (ص) “تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإني مُبَاهٍ بكم الأمم يوم القيامة”.

مصر

كما يعتبر أصحاب هذا الاتجاه كثرة الإنجاب هدفا يضمن تمدد تيار الإسلام السياسي في المجتمع، وبالتالي فنظرتهم للقضية تدور في هذا الفلك، وأكبر القرائن على ذلك، أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تقمص دور المفتي في بلاده، وحرّم تنظيم أو تحديد النسل، أو خفض المواليد، واعتبر ذلك خيانة للإسلام وتحديا للنصوص القرآنية والأحاديث النبوية. ثمة شريحة كبيرة لا تعترف بأيّ رأي تقدمه المؤسسة الدينية حول قضية النسل، فلا الأميون يتعاطون معه، ولا السلفيون يؤمنون به، ولا الإخوان يلفتون النظر إليه. لكل فئة من هؤلاء قناعات راسخة يصعب تغييرها أو القبول بالطعن فيها، وهي أزمة متجذرة تجعل مهمة الحكومة بالغة الصعوبة.

وأكد عمرو حسن، أن “مشكلة الحكومة تكمن في أنها ما زالت تتعامل مع تنظيم النسل كقضية اجتماعية وليست اقتصادية، ما يجعل خطابها ضعيفا نسبيا، وغير مقنع للكثيرين، وهو ما تستثمره تيارات مناوئة لتحريض الناس على التمادي في إنجاب الأبناء ليكونوا قوة اقتصادية لعائلاتهم من خلال إلحاقهم بسوق العمل”.

يترتب على هذه القناعات اتساع دائرة التحديات، مثل ارتفاع معدلات التسرب من التعليم، ورفض الكثير من الأهالي تعليم البنات، ومن ثم تزداد نسب الزواج المبكر، أو زواج القاصرات، وهذه أزمة أخرى نتجت عن الخطاب المتطرف، الذي نجح في إقناع البسطاء بأن تزويج الفتاة في سن مبكرة يضمن سترتها.

فشل الخطاب التوعوي

من المتوقع أن يصل عدد سكان الدول العربية إلى 650 مليون نسمة بعد نحو عشر سنوات، في حالة استمرار معدلات الإنجاب الحالية
من المتوقع أن يصل عدد سكان الدول العربية إلى 650 مليون نسمة بعد نحو عشر سنوات، في حالة استمرار معدلات الإنجاب الحالية

أخفقت الحكومة في معالجة الأزمة، فأقرت عقوبات على العائلات التي تحرم بناتها من التعليم أو تزوجهن مبكرا، ولم تستجب الأغلبية، بحكم أن هناك أصواتا دينية تقول إن “السُترة” أمر مقدس في الإسلام.

وطالما أن الأم بلا وعي ولا ثقافة، فإنها تكرس حياتها للإنجاب، ومهما تعرضت لخطاب ديني أو مدني يقنعها بالعدول، فإنها لن تستوعبه بسهولة.

معضلة البعض مع خطاب التوعية المرتبط بمخاطر الزيادة السكانية، أنه يستهدف شريحة بعينها من الناس، أي أنه لا ينزل لمستوى فكر الأغلبية التي ترى في زيادة الإنجاب “عزوة”، والحد منها “مخالف لشرع الله”، فهؤلاء لا يدركون فحوى الرسالة، ولا يقرأون بيانات الحكومة، ولا يصدقون إمام المنبر الذي يتقاضى راتبه منها.

ورأت آمنة نصير أستاذة العقيدة بجامعة الأزهر، أن نسف المعتقد الديني الخاطئ حول كثرة الأبناء، يحتاج إلى تفسير عصري لآيات وأحاديث تحدثت عن النسل، لأن التحدي الحقيقي حاليا في تغيير معتقد البعض حول الإنجاب دون إقناعهم بأن هناك أحاديث ارتبطت بظروف زيادة المسلمين، وهذه الظروف تغيرت بل أصبح التحجج بها يؤسس لمجتمع غير قويم تنتظره مشاكل لا يرضى عنها الدين.

مصر

وأوضحت لـ”العرب”، أن السلفيين يمثلون التحدي الأكبر أمام الدولة كلما حاولت فتح ملف الانفجار السكاني، لأنهم يشنون حملات مضادة وكأنهم يدافعون عن النبي محمد (ص) لأنه قال “تناسلوا لأباهي بكم الأمم”. فالتباهي يكون بأناس متعلمين ومثقفين وأقوياء بصحة جيدة، وليس بزيادة الفقر والحرمان والتسرب من التعليم. وعندما توسعت الحكومة المصرية في مراكز تنظيم الأسرة، واقتحمت القرى والنجوع والمناطق المهمشة، استعانت بأطباء ذكور، لندرة الطبيبات في هذه الأماكن النائية، في حين أن الأعراف والتقاليد والموروثات الدينية، تحرّم وربما تجرّم على المرأة أن تكشف جسدها أمام رجل أو تتحدث معه في قضايا حساسة، مثل الجنس والإنجاب واستخدام وسائل منع الحمل.

ما زال ياسين محمد، وهو حارس عقار بالقاهرة وتربى في محافظة سوهاج، في جنوب مصر، مقتنعا بأن “ذهاب المرأة لعيادة تنظيم الأسرة وصمة عار تلاحقها وأسرتها، ثم أنها لا تملك قرار الإنجاب من الأساس، والأمر كله بيد الرجل، وحرام عليها أن تتدخل في تحديد النسل، لأن “أرزاق الأبناء مهمة إلهية”.

لم ينف ياسين في كلامه، أنه لم يستطع تعليم كل أبنائه (عددهم ستة)، أمام ندرة المال وقلة الحيلة، لكنه يبرر استسهاله في الإنجاب، بأن “الله قد يعاقبه على ذلك”، وكل ما تفعله الحكومة من رفع الأسعار وزيادة الأعباء على الناس محاولة لإجبارهم على خفض المواليد، لأنها فشلت في إقناعهم بشكل ودي.

يظل أكبر تحدٍ أمام القاهرة إقناع الأغلبية بتنظيم النسل
يظل أكبر تحدٍ أمام القاهرة إقناع الأغلبية بتنظيم النسل

يقود كلام الأب، إلى أن هناك فجوة شاسعة بين الحكومة والمواطنين حول الإنجاب، فهناك عناد اجتماعي مرده الغضب من الظروف الاقتصادية، وهناك أيضا قدسية دينية تصعب خلخلتها بخطاب رسمي، ما يفرض على دوائر صناعة القرار البحث عن حلول واقعية تتناسب مع كل الشرائح، ولا تستهدف فئة بعينها لديها نسبة من الوعي. وتطرقت منظمة الصحة العالمية في تقرير سابق لها، إلى أن أسباب عزوف شريحة كبيرة من المصريين عن استخدام وسائل منع الحمل واتباع برامج تنظيم الأسرة في تحديد النسل، مرتبطة بالتقاليد والثقافة والموروث الديني، لأن الأغلبية تتعامل مع قضية الإنجاب من منظور عقائدي بحت.

وتنوي الحكومة في مصر اقتصار تقديم الدعم للأسرة التي تنجب طفلين فقط، كإجراء عقابي في حال فشلت جهود المؤسسة الدينية في تصحيح المفاهيم، لكن الكثير من الأصوات ترى أن هذه الخطوة قد تكون لها انعكاسات سلبية، لأن الأبناء سوف يتحولون إلى ضحايا لآبائهم، على مستوى التعليم أو الصحة أو الخدمات الأخرى.

وحسب رأي عمرو حسن، فإن “الحوافز السلبية أسلوب خاطئ ولن تكون ذات جدوى، والبديل في وجود محفزات إيجابية للأهالي كي تستجيب الطبقة الفقيرة التي تنظر إلى إنجاب الأبناء باعتبارهم سندا اقتصاديا للعائلة، أما لو حرمت الطفل الثالث مثلا من التعليم المجاني، فهناك أسر لن تتأثر بالعقوبة، لأنها أساسا لا تعلم أولادها”.

مصر

وتبرر الحكومة عدم تقديم حوافز للأسرة الملتزمة، بأن الظروف الاقتصادية لا تسمح بذلك، وتعتمد على الخطاب الفوقي والديني والإعلامي، لتغيير القناعات، في حين أن مراكز البحوث الاقتصادية تقول إن كل جنيه ينفق على تنظيم الأسرة يوفر للدولة 151 جنيها، أي أنه لو جرى التعامل مع خفض الإنجاب كمشروع استثماري، فعوائده وأرباحه سوف تصبح أكبر من الخطط التنموية، وأكثر تأثيرا من الخطاب الديني.

وينادي خبراء، بأن تكون معركة التصدي لكثرة الإنجاب متشعبة الأسلحة، بخلق حوافز موازية للخطابين الديني والإعلامي، والاعتماد على المناهج الدراسية، بحيث لا تكون التوعية بالقضية مجرد تحرك موسمي، وإذا كان الآباء والأجداد لديهم الموروث الذي يصعب تغييره بسهولة، بات من الضروري اليوم تحصين الأبناء والأجيال الصاعدة من معتقداتهم وأفكارهم الدينية والثقافية الخاطئة.

12