ثقافة الاستهلاك أم منظومة معايير جديدة؟

لماذا عليهم التقشف في إنفاقهم على أنفسهم وعوائلهم، في الوقت الذي تخزّن الحكومات الأسلحة باهظة الكلفة، أو ينفق رجال الدين أموال الريع الوقفي على بناء قبب ذهبية للأضرحة والمساجد؟
الأحد 2019/06/02
الفن المفاهيمي.. نمط جديد مازال لم يستقر في الذائقة

 كل وقت صالح للحديث عن الثقافة. ليس هذا الوقت المناسب للحديث عن الاستهلاك، ولا عن ثقافة الاستهلاك. السبب بسيط. العالم اليوم غارق في كساد عظيم تراه في أيّ ركن تزوره من أركان الأرض. ربما سيكون من الأجدى الكتابة عن ثقافة التقشف. هذه الكتابة ستكون الرد ربما على ثقافة الاستهلاك التي يرى فيها البعض نخرا للمجتمعات وقيمة استبدلت منظومات القيم السائدة على مدى قرون وعقود، بمنظومات إثارة وتحفيز لا تستهدف إلا الربح.

منذ عام 2008، يعيش العالم أزمة اقتصادية. أنكر وجودها الزعماء العرب فكان الربيع العربي. تقبّل وجودها الآخرون في الغرب، فكانت أشبه بمسيرة تصحيح مرهقة لما تم بناؤه والبناء عليه منذ الثورة الصناعية وإلى حدّ يومنا هذا.

هل كانت هناك ثورة استهلاك لتنشأ عنها ثقافة استهلاك غيّرت العالم وأوصلته إلى عصر التقشف والشعبوية؟ هذا سؤال أستطيع أن أطرحه، ولكني لست مهيأ للرد عليه. هذا سؤال يحتاج إلى متخصصين اقتصاديين واجتماعيين ممن زالت الغشاوة عن عيونهم (وقلوبهم) لبحث ما حدث وكيف حدث. لكني أسجّل هنا بعض النقاط التي ينبغي أن نفكر بها، نحن العامة، في معرض اتهامنا لثقافة الاستهلاك.

الاستهلاك يرتبط بصعود الطبقة الوسطى. كلما جرى المال بأيدي الموظفين والعمال ممن تحسن دخلهم مع تقدم فرص العمل وتوسع آفاق الصناعة والتجارة، كلما تمكّن هؤلاء من الإنفاق على ما يريدونه. لا يمكن بالطبع لومهم. هذا مالهم وهم محقون فيما ينفقون. لماذا عليهم التقشف في إنفاقهم على أنفسهم وعوائلهم، في الوقت الذي تخزّن الحكومات الأسلحة باهظة الكلفة، أو ينفق رجال الدين أموال الريع الوقفي على بناء قبب ذهبية للأضرحة والمساجد؟

الاستهلاك يرتبط بواقع العولمة. لا نقصد هنا عولمة التجارة. فالتجارة، مثلها مثل الدين، شيء معولم بالتعريف. ولكنّ إحساسا اجتماعيا يسود العالم بالمساواة، أو الرغبة فيها، تنقله وسائل الإعلام المختلفة. القرويّ الذي كان يعيش في عزلة أو الموظف الذي يعمل في بلدة نائية، يشاهد نفس الشاشة التي يشاهدها ابن أكبر مدينة في العالم وأكثرها ثراء. هنا سيسأل المحروم نفسه، لماذا لديهم هذا الشيء أو ذاك، أو تلك الخدمة، وأنا أفتقر لها؟

السلع بين يدي المحروم متعة كان يلهي نفسه عنها بالورع الديني والعفاف النفسي والرضا بالمقسوم. العولمة، وخصوصا عولمة الإعلام والتواصل، وضعت هذه الأفكار على الرفّ بما يتعلق بالاستهلاك. المحروم صار يقول أين حصتي. ومن لا تصل له حصته، يذهب إليها ماشيا أو سابحا كما نرى في الهجرات التي لا تتوقف بين عوالم الفقر وعالم الغنى. الشاهد أمواج البشر التي تلقي بنفسها في البحر المتوسط يوميا على أمل الوصول إلى سواحل أوروبا.

هل شراء الملابس بما يزيد عن حاجة التدوير اليومية هو جزء من الثقافة الاستهلاكية؟ كم قطعة من الملابس الداخلية تكفي وكم قميصا وكم بنطلونا؟ في الماضي يعمل المزارع في حقله والعامل في الورشة القريبة. لا يهمّه ملابس بالية أو حتى متسخة. ابن عالم اليوم يخرج للعمل ويحتاج أن يستبدل الكثير من الملابس وأن يستخدم وسائط نقل وأن يجلس على مكتبه مهندما نظيفا. هل كثرة الملابس هذه جزء من رغبته في الاستهلاك أم ضرورة؟

خذ مثلا علاقتنا الاستهلاكية بالهاتف المحمول. نحن نستهلك الهواتف، وخصوصا مع دخولنا عصر الهواتف الذكية، بشكل استثنائي. لكن هل اقتناء هاتف جديد يتواكب مع القفزات التكنولوجية الكبيرة التي تحدث كل عامين أو ثلاثة هو جزء من الثقافة الاستهلاكية التي تنمّيها شركات تصنيع الهواتف وشركات الاتصالات، أم أن الهاتف الذكي جزء من حياة الإنسان الحديث بكلّ ما تعنيه الكلمة من معنى؟ كنا نستمر بالاحتفاظ بهاتفنا المنزلي ذي القرص الدوار أو حتى الأزرار الرقمية الإلكترونية لسنوات، ثم أبقينا هاتف نوكيا معنا لأكثر من معدل أعمار الهواتف الذكية.

ولكن هذا عندما كان الهاتف هاتفا فقط. الكثير من شركات العالم المنتجة للأجهزة البصرية والصوتية والمفكرات والكمبيوترات وبرامج الكتابة بل وشركات الاتصال، تشتكي من الهاتف الذكي. الهاتف الذكي جهاز تقشف لأنه يغنيك عن شراء التلفزيون والراديو والكمبيوتر والستيريو، بل ويجعلك تجري اتصالاتك مجانا وتطلب سيارة الأوبر وتطلب الأكل وتحجز تذكرة الطائرة وتقرأ كتابك وصحيفتك المفضلة المحدثة طوال اليوم من جهاز واحد بين يديك ومعك دائما. هل هذا وفرة أم تقشف؟

الأمثلة التي يمكن أن تميز بين نزعة استهلاكية أو أخرى تقشفية أكثر من أن تعد أو تحصى. لكن الأكيد أننا بحاجة إلى منظومة معايير مختلفة للحديث عمّا يمكن وصفه استهلاكيا وما هو ضرورة حياتية. بالنهاية نحن أبناء هذا العصر وليس بالضرورة أن نتقبل كفاف العصور التي سبقت وشِحّها، مهما أعيد تقديمها بمغلفات أخلاقية ودينية واجتماعية.

10