ثقافة الاستهلاك تطلق شرارة انهيار الحضارة الغربية

يصنف العديد من الخبراء والكاتب ما يشهده الغرب اليوم من تصاعد في موجات القومية والشعوبية ضمن المرحلة الأخيرة من ملامح انهيار الحضارة الغربية بمعناها التقليدي، مشيرين إلى أن هذه المرحلة بدأت تتشكل مع البريكست ووصلت ذروتها مع انتخاب دونالد ترامب وستحدد مراحلها الانتخابات المقبلة في دول أوروبية رئيسية، وهي مرحلة انطلقت وفق الكاتب الأميركي ديفيد هوبكينز مع صعود ثقافة استهلاكية مضادة للفكر. بعضها يحمل العنوان نفسه، وبعضها الآخر يتناول هذا الموضوع ضمن فصول خاصة؛ وتتناول الانهيار الأخلاقي والقيَمي في المجتمعات الغربية، وفشل مؤسسة الأسرة، وانتشار دائرة الجريمة بشتى أنواعها وتوسعها، وعجز الأنظمة المعاصرة عن مواجهة موجات العنف والفوضى الداخلية، وانتشار سُعار الانتحار وفشل الفلسفات الحديثة في معالجة الروح والرؤى والأفكار الملحة التي تطرح على عقل الإنسان الغربي.
السبت 2017/01/28
صناعة البلاهة

واشنطن - سلطت موجات المشاعر القومية والشعبوية المتصاعدة في الغرب الضوء على سؤال يطرحه منذ سنوات باحثون وكتّاب وسياسيون، لكن ظل محل جدل وتهميش في الكثير من الأحيان. يتعلق هذا السؤال بانهيار الحضارة الغربية وما قيل عن أن موت الغرب وانحطاطه أمر لا مناص منه وإن بدأت ملامحه تتجسد في الوقت الراهن في شكل تراجع للأنظمة الديمقراطية وتشدد المجتمعات وانتشار ثقافة الانغلاق وتحقير الآخر.

وتحدث عن انهيار الحضارة الغربية الكاتب والسياسي الأميركي باتريك جيه بوكانن، في كتاب حمل عنوان “موت الغرب”، وفيه حذّر من أن “الموت المقبل مريع ومخيف لأنه وباء ومرض من صنع أيدينا، ومن صناعة أفكارنا وليس بسبب خارجي مما يجعل هذا الموت أسوأ بكثير من الوباء الأسود الذي قتل ثلث سكان أوروبا في القرن الرابع عشر، فالوباء الجديد لا يقتل إلا الشباب”.

وسبق جيه بوكانن، المستشار السابق لثلاثة رؤساء أميركيين وأحد مرشحي الرئاسة عن الحزب الجمهورية، بسنوات طويلة في الحديث عن هذه الظاهرة، الفيلسوف الألماني أوزوالد شبنغلر في كتابه “تدهور الحضارة الغربية”.

ويقول شبنغلر في مؤلفه، الذي يعود تاريخه إلى العشرينات من القرن الماضي، إنه درس الحضارة المجوسية والحضارة اليونانية والحضارة الرومانية والحضارة العربية ثم الحضارة الغربية، فوجد أن كل عامل من عوامل الانهيار في أي حضارة من الحضارات المنهارة موجود ومتحقق في الحضارة الغربية.

ويذهب زبغنيو بريجينسكي، المفكر الاستراتيجي الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي جيمي كارتر (1977-1981)، إلى القول في كتابه “الانفلات” إن “ما نعانيه هو أزمة في سلوك الإنسان الغربي وفي الأفكار التي تشكل هذا السلوك.. لم نعد نعرف يقينا من هو الإنسان الصالح وما هو العمل الصالح وما هو المجتمع الصالح؟”.

وكتب عن هذا التراجع الكاتب البيروفي ماريو بارغس يوسا قائلا إن الغرب مهد ثقافة الحرية والتقدم بات مرعوبا من التغيرات العالمية الكبرى الناتجة عن العولمة، ويريد أن يتراجع جذريا ليحتمي بما أسماه كارل ريموند كارل بوبر بـ”نداء القبيلة”، أي بمعنى القومية وكل العيوب الخلقية مثل كراهية الأجانب والعنصرية وسياسة الحماية والانعزالية، وكأن إيقاف الزمن أو التقهقر ليس إلا مسألة إدارة عقارب الساعة للوراء.

إعادة تشكيل السياسات

أعادت موجات المشاعر القومية تشكيل سياسات الديمقراطيات الغربية بطرق غير متوقّعة، وهي نتيجة يرجع أسبابها ديفيد هوبكينز، الكاتب الأميركي ومؤلف القصص المصورة، إلى تراجع ثقافة الرفض في المجتمعات الغربية وارتفاع التنمّر بين الأفراد.

وانتهج هوبكينز طريقا مختلفة في تفسير هذا التراجع، منطلقا من المسلسل الأميركي الشهير أصدقاء (فراندز) كنموذج لدراسة ملامح انهيار الحضارة الغربية. واعتبر هوبكينز أن هذا المسلسل، الذي ظهر سنة 1994 واستمر عرضه مدة عشر سنوات متتالية، شكل شرارة الانهيار الذي وصلت إلى ذروته المجتمعات الغربية راهنا.

ومن وجهة نظر هوبكينز، يتبنى مسلسل أصدقاء بقسوة مناهضة الفكر في المجتمع الغربي، حيث يتم اضطهاد رجل ذكي وموهوب من قبل أصدقائه البلهاء. ويبيّن الكاتب رؤيته في مستهل تحليله بقوله “أريد مناقشة ست كوم تلفزيوني نفرط أنا وزوجتي في مشاهدته، يحكي عن ذلك الرجل رب الأسرة، ورجل العلم الذكي الذي يقع مع المجموعة الخاطئة، وببطء قاده الغرور حتى انحدر باتجاه الجنون واليأس. وبتعدد الحوادث المزعجة التي يمر بها يتحول إلى وحش. أنا بالطبع أتحدث عن مسلسل أصدقاء وبطله المأساوي روس جيلر”.

اقرأ كتابا. هناك شيء مميز يحدث حينما تضع كل الإلهاءات المجنونة للحداثة، وتغمس ذاتك في رواية. فأنت تفتح نفسك على أفكار جديدة وتجارب جديدة ووجهات نظر جديدة، إنه اختبار للصبر والذهن

يعرف هوبكينز أبطال مسلسل أصدقاء، الذي حظي بمتابعة عالية على مستوى الولايات المتحدة ومختلف أنحاء العالم، وكان أحد الأعمال التلفزيونية التي شكلت ثقافة الشباب العربي والغربي على مدار السنوات التي عرض خلالها، بأنهم شباب من الطبقة المتوسطة ومن ذوي البشرة البيضاء، وليست لدى أحدهم ميول جنسية شاذة، وجذابون –غير مبالغ في جاذبيتهم- وجميعهم غير محترفين للسياسة، بالإضافة إلى تزويد كل منهم بصفة شخصية مميزة: جوي ساذج وتشاندلر ساخر، ومونيكا تعاني وسواسا قهريّا وفيبي بمظهرها غير التقليدي الذي تنتمي إلى الهيبيز، وراشيل المولعة بالتسوق، وهناك البطل المحوري روس المثقف الرومانسي.

ويعتبر هوبكينز أن “شخصيات المسلسل كانت محرضة ضد روس منذ البداية، فمثلا الحلقة الأولى التي يقول فيها جوي عن روس ‘عندما يقول هذا الشاب مرحبا، أود قتل نفسي’، أو عندما يقول أي شيء يخص اهتماماته أو دراساته أو أفكاره، وفي منتصف أي جملة يقولها يعترضه أحد أصدقائه متذمّرا، ومؤكدا كم هو ممل، وكم هو غبي بأن يكون ذكيّا، وأن لا أحد يهتم به. وما يثير الضحك بين جمهور الحاضرين في الأستوديو، هو ما يتكرر في كل حلقة خلال عشرة مواسم، هل يمكنك إذن اللوم على روس حينما جن جنونه؟”.

وكأي مأساة إغريقية، فإن البطل كتب له قدره الذي لا يمكن تجنبه، وقرر منتجو المسلسل -كالآلهة قراراتهم غير القابلة للتغيير- معلنين أن روس يجب أن ينتهي به الحال مع راشيل، المهووسة بالتسوق، وهو أمر انتقده هوبكينز الذي يرى أن البطل كان أجدر بنهاية أفضل.

حصل مسلسل أصدقاء على 63 جائزة منها 5 إيمي وجائزة غولدن غلوب و174 ترشيحا آخر. ووصل أجر أبطاله في الموسم الأخير إلى مليون دولار في الحلقة الواحدة مقارنة بالموسم الأول الذي كان 22 ألف دولار للحلقة. وبعد عشر سنوات اختار صناع العمل أن يكتبوا نهايته.

وبالتزامن مع سنوات عرض المسلسل كان العالم يتغير، وبانتهائه سنة 2004، ظهرت ملامح أخرى لهذا التغيير أو الانهيار نفق هوبكينز. ففي العام الذي انتهى فيه مسلسل أصدقاء انطلق موقع التواصل فيسبوك، وهو نفسه العام الذي انتخب فيه الرئيس جورج بوش لولايته الثانية، ونفس العام الذي أصبح تلفزيون الواقع هو القوة المسيطرة على ثقافة فن البوب، حيث بدأ برنامج أميركان أيدول ثماني سنوات من “الإرهاب” ممثلا البرنامج رقم واحد في الولايات المتحدة (وأيضا في العالم العربي بالنسبة إلى نسخته العربية ولا يزال يستقطب الآلاف من المشاركين باعتباره طريق الحلم للكثير من الشباب)، وفي ذات العام بدأت فيه باريس هيلتون تروج لنموذج الحياة الخاص بها وكأنه علامة تجارية، وأصدرت فيه سيرتها الذاتية.

ويضيف هوبكينز “في العام 2004 كنا جميعا استسلمنا وقمنا بتبني الغباء واعتبرناه إحدى القيم. وإذا سألت فلن تجد جوابا مناسبا أكثر من أن فرقة غرين داي أصدرت ألبوما غنائيا بعنوان ‘الأميركي الأبله’ في ذلك العام. وحصل على جائزة غرامي لأفضل ألبوم في فئة موسيقى الروك”.

وليس هناك من وقت أنسب من الوقت الراهن لاجتماع كل تلك الأمور التي سيطرت في ظل غياب ثقافة الرفض، التي كان يمثلها روس، بطل مسلسل أصدقاء. ورفض روس يؤرَّخ لتلك اللحظة التي كان فيها الكثير من الأميركيين يتذمرون ويقاطعون صوت العقل في منتصف حديثه.

ديفيد هوبكنز: وصلنا مرحلة عوض فيها التفاعل عبر مواقع التواصل الاجتماعي الجدال الحقيقي

ويؤكد هوبكينز “نعم، نظريتي هي أن مسلسل أصدقاء قد يكون عبّر عن سقوط الحضارة الغربية. قد تظن أنني مجنون، لكن سأقتبس من روس جملته ‘أوه، هل أنا؟ هل أنا؟ هل أنا الذي جن جنونه؟ هل فقدت السيطرة على عقلي؟’. هل كنت تعلم أن الأغنية الأصلية التي صاحبت الحلقة التجريبية للمسلسل كانت من غناء فرقة الروك ‘رام’، والتي تقول كلماتها ‘إنها نهاية العالم الذي نعرفه وأنا أشعر بأنني بخير’، أغنية موسيقاها في غاية السعادة تحمل رسالة مُروعة يتم تجاهلها”.

موت الثقافة

يقول هوبكينز “رأيت مؤخرة كيم كاردشيان تتصدر موقع سي إن إن، فانتابني الخوف.. قد يكون المثقفون مضطهدين دائما، لكنّ شيئا ما بداخلي يخبرني أننا عند نقطة متدنية، حلّ فيها التفاعل عبر مواقع التواصل الاجتماعي محل الجدال الحقيقي والحوار السياسي، حيث يتم الحكم على السياسيين من خلال ما إذا كنا نود احتساء البيرة معهم، حيث المسلمات العلمية يتم رفضها، والبحث العلمي نقُص تمويله، نحن عند نقطة غرقت فيها الصحافة في فضائح المشاهير.. لكنني بأمانة متخوف من كوننا لم نفعل ما يكفي لتشجيع الفضول الفكري في ثقافتنا”. ويضيف “لحسن الحظ هناك تشكيل مقاوم، هم أشخاص عازمون لا يخافون من بدء جملتهم بـ’هل كنت تعلم أن..’، فهؤلاء هم روس العالم. أنا أراهم في فريقي للشطرنج، كما أراهم في مدينتي مختفين في متحف الفن، ورابضين في متاجر الكتب المستعملة، ويتبادلون النظرات الجانبية في المكتبات العامة والمقاهي، ويتمشون في مدارسنا، وجامعاتنا”.

وحتى يمكننا الإبقاء على صحتنا العقلية سليمة وسط عالم أبله، يختتم هوبكينز تحليله، الذي ينطبق في جزء كبير منه على الواقع العربي أيضا بمجموعة من النصائح لتفادي الانهيار الثقافي الذي يعدّ أخطر أنواع موت الحضارات، ومن هذه النصائح:

أولا: اقرأ كتابا. هناك شيء مميز يحدث حينما تضع كل الإلهاءات المجنونة للحداثة وتغمس ذاتك في رواية. فأنت تفتح نفسك على أفكار جديدة وتجارب جديدة ووجهات نظر جديدة. إنها اختبار للصبر والذهن. وقد أثبتت المدرسة الحديثة للأبحاث الاجتماعية في نيويورك أن قراءة الأدب تطور العواطف. فالقراءة تجعلك شخصا أقل تبلّدا. لذلك اقرأ بانتظام. اقرأ كتبا صعبة، واقرأ كتبا مثيرة للجدل، واقرأ تلك التي تجعلك تبكي، واقرأ أخرى ترفيهية، المهم أن تقرأ.

ثانيا: تعلّم شيئا. عقلك قادر على الكثير، فغذيه، تعلّم شيئا جديدا. إن أعظم خطر على التقدم هو الإيمان بأن هناك شيئا معقدا لا يمكن حلّه. الفقر يدوم، والعنصرية ستتواجد دوما، والقضية الفلسطينية الإسرائيلية عصيّة على الفهم. النظام العام للتعليم منهار، علّم ذاتك، لتستطيع أن تكون طرفا في النقاش. تعلم شيئا علميّا. استكشف الفلسفة، وحاول تعلم لغة جديدة، لست مضطرا لتجعل الإتقان هو غايتك، لكن فقط احتفظ بعدد من الكلمات الجديدة في رأسك. استمع إلى مقطع تعليمي عبر الإنترنت، فأساتذة بعض الجامعات –مثل هارفارد وييل وكولومبيا وستانفورد- يعرضون محاضراتهم عبر الإنترنت مجانا. فكر في ما يمكنك أن تتعلمه.

ثالثا: توقف عن شراء الهراء. قد يكون ذلك غير منطقي، لكنني مقتنع بأن الثقافة الاستهلاكية مرتبطة عن قرب بالبلاهة. قم بتبسيط حياتك، فالبلاهة تسيطر على أساسات ثقافتنا، لكن حينما نأخذ في الاعتبار بشكل مدروس كل ما نجلبه إلى بيوتنا، تقل احتمالية التلاعب بنا عن طريق دوافع فارغة.

رابعا: احم العباقرة. حاليا، مبرمج الكمبيوتر الذي يعمل لدى مؤسسة بيل غيتس يعمل لصالح تقليل الفقر والجوع والأمراض في العالم. العباقرة يكتشفون اللقاحات.. العباقرة ينشئون الطرقات.. العباقرة يصبحون معلّمين وأمناء مكتبات. نحن نحتاج هؤلاء الأشخاص الأذكياء “البغيضين” لأنهم يجعلون العالم مكانا أفضل، لا يمكننا أن نتركهم يفشلون. فروس يحتاج أصدقاء أفضل.

7