ثقافة الاعتذار تجدد حيوية الزواج بشروط

إعلان اعتذار رقيق من زوج لزوجته نشر في صحيفة مصرية قبل أيام، أعاد إلى الواجهة مجددا أزمة العلاقات الزوجية في الوطن العربي التي تصل في كثير من الأحيان إلى مرحلة الأزمة، بسبب عدم قدرة أحد الزوجين على الاعتذار عندما يرتكب خطأ.
الأحد 2016/02/21
الزوج كثير الاعتذار كثير الخطأ

آثار إعلان اعتذار زوج لزوجته في صحيفة الأهرام المصرية، كتب فيه "إلى زوجتي الرقيقة ورفيقة عمري (ل. م) أعتذر منك وآسف على ما بدر مني.. زوجك المخلص (هـ . ع)" الكثير من الجدل.

وعلى الفور انتشر الإعلان بشكل هستيري على مواقع التواصل الاجتماعي مع تعليقات نسائية تفيض "غيرة" من الزوجة التي حظيت بزوج وفيّ ومحبّ.

المفاجأة كانت في رأي علماء الاجتماع والمتخصصين في العلاقات الأسرية، حيث رأوا في الاعتذار مبالغة لا تعكس مشاعر حقيقية من الزوج لزوجته بقدر ما تعبّر عن شكل استعراضي من قبل الزوج.

الدكتور طه أبو الحسن أستاذ علم الاجتماع بالجامعة الأميركية في القاهرة، لا يؤيد الإفراط في الاعتذار بين الزوجين من منطلق أن "الزوج كثير الاعتذار هو زوج كثير الخطأ أيضا"، والرجل إذا اعتذر عن خطأ في حق زوجته فهذا أمر إيجابي بشرط عدم المبالغة في الاعتذار.

وقال لـ"العرب" الأهم أن يكون ذلك من خلال حوار بينهما ونقاش بالحجة ينتهي بالزوج للاعتراف بالخطأ الذي هو أسمى أشكال الاعتذار.

ولا يحبذ أبو الحسن المظهرية في التعبير عن الاعتذار من قبل الزوجين، سواء من قبل الرجل أو المرأة، باعتبارها ادعاء وزيفًا في التعبير عن المشاعر، كأن ينشر أحدهم إعلانًا في جريدة أو يعلق لافتة في أحد الشوارع الشهيرة ممهورة بجملة تفيد اعتذاره وأسفه وندمه الشديد ليراها آلاف المارة، وقد لا تراها زوجته نفسها، ويتساءل متعجبا "لماذا لا يكون اعتذاره لها في بيتهما؟".

لفت أبو الحسن إلى دراسة كندية نشرت قبل سنوات أكدت أن الرجال أقل ميلا للاعتذار من النساء، والمرأة تسيطر عليها عاطفتها أكثر من الرجل، فهي تغضب أسرع من الرجل، وربما تتمادى في غضبها لتخطئ في حق زوجها بكلمات سرعان ما تندم عليها وتطلب منه الصفح، بعكس الرجل الذي لا يندفع في الخطأ لكنه من الصعب عليه أن يعتذر عنه إذا وقع فيه.

الاعتذار بين الزوجين يأخذ أشكالًا عدة تختلف من شخص إلى آخر، كذلك يختلف الأمر من زوجة إلى أخرى، فبعض السيدات تكفيهن كلمة حبّ رقيقة، أو وردة يضعها الزوج على وسادتها صباحًا، وهناك من تتمادى في ما يصيب العلاقة بالفتور وربما فقدان المشاعر تماما.

الأزواج الذين يلجأون إلى الاعتذار بطرق استعراضية ولافتة يميلون في الحقيقة إلى حب الامتلاك، وتكون مشاعرهم غير حقيقية

الدكتور مدحت عبدالهادي استشاري العلاقات الزوجية يتفق مع الرأي القائل إن الأزواج الذين يلجأون إلى الاعتذار بطرق استعراضية ولافتة يميلون في الحقيقة إلى حب الامتلاك، وتكون مشاعرهم غير حقيقية.

وأشار في تصريحات لـ"العرب" إلى أن الاعتذار العلمي يكون بتنقية النفس من الأخطاء والتعهد بعدم تكرارها، وأن اعتذار الزوج أو الزوجة إذا لم يتسق مع التصرفات لاحقا فإنه سوف يؤدي إلى نتائج وخيمة على مستقبل العلاقة الزوجية.

وأضاف عبدالهادي أن هناك طريقتين للاعتذار بين الزوجين، الأولى مباشرة والأخرى غير مباشرة، ويلجأ لها الأزواج ممّن يعجزون عن الاعتذار مهما كان الخطأ، حيث يرون فيه نوعا من الضعف، لهذا يلجأ هؤلاء للاعتذار غير المباشر، كأن يرسل الواحد منهم رسالة لزوجته يعتذر فيها أو يدخل المنزل فيسألها عمّا أعدته للغداء.

الزوجة يجب أن تقابل هذا النوع من الاعتذار، بحسب نصيحة استشاري العلاقات الزوجية، بذكاء وفطنة، بأن تدرك وسيلة زوجها للاعتراف بخطئه، وأن سلوكه يعبّر عن ندمه على الخطأ حتى لو كان بشكل غير مباشر.

لكن عبدالهادي أكد أن الزوج القادر على الاعتذار بشكل مباشر “رجل متصالح مع ذاته، ويقدّر المواقف جيدًا".

ثقافة الكِبْرِ التي تمنع الزوج أو الزوجة عن الاعتذار لشريك حياته يراها عبدالهادي، كارثية تقود العلاقة إلى النهاية المحتومة وهي الطلاق، وقد رأى الكثير من التجارب المشابهة بحكم عمله، مفسرًا ذلك بأن تراكم الأخطاء دون اعتذار يخلق مشكلة في التواصل بين الزوجين.

ويرى بعض الخبراء أن الخلافات الزوجية ضرورية من وقت إلى آخر، بشرط قدرة الزوجين على الاعتذار الذي يكون أمرًا إيجابيًا للعلاقة بينهما، حيث تتدفق دماء الحب من جديد في قلبيهما.

شيماء إسماعيل خبيرة العلاقات الزوجية تناصر هذا الرأي، مبررة موقفها بأن الحياة الزوجية القوية أساسها الحب والمودة والرحمة، والمواقف التي يختلف فيها الأزواج، يمكن أن تكون منعطفات إيجابية في حياتهما، إذا استطاع المخطئ الاعتذار عن خطئه وتقبّله الطرف الآخر.

ونصحت إسماعيل الزوجات بعدم إطالة فترة الخصام مع زوجها، وعدم رفض اعتذاره، خصوصًا في الخلافات البسيطة التي لا يوجد داع لتضخيمها، حتى لا يملّ الزوج ويعتاد ابتعادها عنه. وقالت لـ"العرب" مع الوقت وتكرار رد الفعل المبالغ فيه من الزوجة، سيتفادى الزوج الاعتذار وسيجد من ينصحه بعدم تدليل زوجته حتى لا تعتاد على ذلك، كما سيدرك أن زوجته تساومه على قبول اعتذاره بطلب هدايا ترهقه ماديًا، وهو تصرف من الزوجة سيأتي بنتيجة سلبية على العلاقة.

21