ثقافة الاعتراف وثقافة الإنكار

الأحد 2015/06/14

في المرئي دوما شيء غير مرئي، بل أشياء غير مرئية، لا بحكم قصور النظر وقصور الرؤية فقط، بل بحكم إرادة عدم الرؤية، الواعية وغير الواعية، أيضا، مثلما في المُدرَك شيء غير مُدرَك، بل أشياء، وفي المَقول شيء مسكوت عنه، بل أشياء. اللامرئي واللامُدرَك والمسكوت عنه، بإرادة واعية أو غير واعية، أو بحكم قصور المعرفة هو المُنكَر أو غير المُعترَف به، وهو النصف الضائع من الحقيقة.

في أيّ مجتمع، ولا سيما في مجتمعاتنا، أفراد وجماعات غير مرئيين، وغير مُدرَكين، ومسكوت عن أشكال وجودهم الاجتماعي المزرية، وما يُفرض عليهم من قيود وما يعانونه من قهر، جراء عدم الاعتراف بإنسانيتهم والاستهانة، لا بحرياتهم وحقوقهم فقط، بل بحياتهم أيضا.

الفئات والجماعات المهمشة عموما، وأكبرها النساء، غير مرئية، أو غير معترف بكيانها الإنساني. وينظر إليها باعتبارها ناقصة، من هذا الجانب أو ذاك، ويصفها بعضهم، انطلاقا من رؤية كمية، ومن ثم شيئية، بأنها “كسور المجتمع″، كسور لا ترقى إلى مرتبة العدد الصحيح، أي إلى مرتبة “الأمة” العنصرية، الواحدة، و”الشعب” المختار، الواحد. وثمة على الصعيد العالمي شعوب ومجتمعات ينظر إليها على هذا النحو. هذا الإنكار يضع الاعتراف، بل يستوجبه، بصفته ضرورة لتوثيق الروابط الاجتماعية والثقافية والسياسية، وضمانة للأمن والسلم، على الصعيدين المحلي والدولي.

الاعتراف مفهوم اجتماعي سياسي وأخلاقي، ينتمي إلى مجال الفلسفة المدنية الأحدث، التي تُعنى بألوان التعارضات الاجتماعية ولونياتها وأشكالها، ومطالب الفئات المهمشة والجماعات التي ينظر إليها على أنها قاصرة وتابعة وغير مؤهَّلة، كالنساء والملونين والجماعات الثقافية واللغوية، أو المجتمعات الصغيرة، ويُستهجن منها أن تبحث عن حياة اجتماعية وإنسانية كريمة. وله دلالات مختلفة، في مجالات مختلفة، لا تتصل بنوع الاعتراف المطلوب فقط، بل تتعدّى ذلك، إلى نوع الإنكار، الذي يجعل الاعتراف مطلبا من مطالب السلطة، أي سلطة، من جهة، ومطلبا من مطالب من تُمارَس عليهم السلطة من الجهة المقابلة.

والإنكار، في المجالات الاجتماعية والثقافية والسياسية، من أبرز خصائص البنية البطركية، والعصبية المغلقة، والوعي العصبوي، والمصالح الخاصة العمياء، والسلطانية المحدثة المنسوجة من هذه الخصائص. إذ تتضافر هذه البنى العصبوية ومؤسساتها في إنكار إنسانية الفرد وجدارته، فلا تعترف أي منها بإنسانية أفرادها وجدارتهم ومكانتهم إلا اعترافا مشروطا بولائهم لها، وكونهم موضوعا لسلطتها وأدوات لتحقيق غاياتها، علاوة على عدم اعترافها بإنسانية الآخر المختلف، وإنسانية المرأة، حسب التحليلات العميقة التي قدمها كل من هشام شرابي ومصطفى حجازي ومحمد عابد الجابري.

تساوي الأفراد في الحقوق المدنية والسياسية يظل ناقصا ومثلوما وصوريا إلى حد بعيد ما لم يقترن بتساوي المعاني والقيم، التي يعتبرها كل منهم قوام هويته، بصفته فردا في جماعة إثنية أو ثقافية أو لغوية أو دينية

فالإنكار هو سر الهوية الموروثة، أو الميِّتة، التي تحتاج دوما إلى بعث وإحياء، وأساس طابعها السردي. فلكل هوية من هذا النوع حكايتها الخاصة وأساطيرها ورموزها و”تاريخها”، الذي هو ذاكرتها فحسب، فلا معنى للتاريخ لديها سوى الوفاء إلى الأصل، والحنين إلى الماضي، ونسيان الحقيقة.

ما يجعل الاعتراف، في أوضاعنا، دواء لهذا المرض التاريخي، ومدخلا لتحرر الأفراد من ربقة البنى التقليدية واستقلالهم الذاتي عنها، ومن ثمّ، مدخلا للتشارك الحرّ في إنتاج هوية وطنية ومجتمع مدني هو فضاء من الحرية.

الوحدة المعجمية للاعتراف، من الجذر (عرف)، والتعدّد الدلالي يعيِّنان الاعتراف، من البداية، على أنه علاقة سلطة أو علاقة قوة، بتعبير ميشيل فوكو. فثمة دوما وفي جميع الأحوال من يَعترِف، ومن يُعترَف له، بدءا من علاقات الأبوة والبنوة، وصولا إلى علاقات الحاكم بالمحكومين، وعلاقة السلطة السياسية بالشعب، مرورا بعلاقات الكبير بالصغير والقوي بالضعيف والغني بالفقير والرجل بالمرأة والأعلى بالأدنى والمتبوع بالتابع والرئيس بالمرؤوس والشيخ بالمريد والمعلم بالتلميذ والطالب: السلطة تطلب من محكوميها الاعتراف بشرعيتها وسيادتها وقوتها، وتصديق خطابها واحترام رموزها، أو تتوقعها، عن طريق الطاعة والامتثال والانضباط والولاء و”البذل والعطاء والتضحية”. والمحكومون يطلبون من السلطة الحماية والرعاية والرحمة والعدالة والإنصاف، أو يتوقعونها. ويستجيب من تمارس عليهم السلطة لمطالبها استجابات متباينة، تتدرج من الامتثال والخضوع إلى الاحتجاج والتمرد.

ومن ثمّ، فإن مسارات الإنكار/ الاعتراف تتجه دوما من الواقع إلى الممكن، وتنزع إلى تحقيق غاية خاصة أو عامة، حسب طبيعة السلطة وطبيعة من يمارسونها، وحسبما تنتجه السلطة في جميع مستوياتها من مقاومة. بيد أن تشتت الدلالات واختلافها لا ينبعان من البنية اللغوية – الذهنية أو الجذر المعرفي، فقط، بل من المسار الأخلاقي/ المسارات الأخلاقية، ما يعيِّن علاقة ضرورية بين المعرفة والأخلاق، ومن ثمّ بين السياسة والأخلاق.

لذلك لا تستقيم العلاقة الجدلية المفترضة بين المعرفة والسلطة إلا بتوسُّط الأخلاق، (معرفة – أخلاق – سلطة.. سلطة – أخلاق – معرفة)، بشرط أن ننزع عن الأخلاق قشرتها الصوفية، الميتافيزيقة والدينية. بهذا المعنى يمكن الحديث عن أخلاق الاستبداد والمستبدين وعن أخلاق العبيد والتابعين وعن الأخلاق الثورية والليبرالية والدينية والمدنية وعن الأخلاق الذاتية والأخلاق الموضوعية، إلخ.

فإن توسط الأخلاق بين المعرفة والسياسة يحيل على الحياة الواقعية المعيشة، هنا والآن، لأن الحياة الاجتماعية والإنسانية تجربة أخلاقية، قبل أيّ صفة أخرى. تأسيس معنى الأخلاق على المقاربة الكانطية، أي على “العقل العملي” (المحض) المشروط بالذاتية، بما هي استقلال وحرية، للفرد والجماعة والمجتمع والمؤسسات، هو ما يجعل الحياة الأخلاقية تعبيرا مطابقا للحياة الاجتماعية والإنسانية، على اختلاف أشكالهما المادية واللامادية، ولا سيما الثقافية والرمزية منها.

هنالك إذن سياسات إنكار تتطلب اعترافا، من وجهة نظر السلطة، أو من وجهة نظر الأقوياء أو الأغنياء.

تقابلها سياسات اعتراف، من وجهة نظر المحكومين أو الضعفاء أو الفقراء. وكل واحدة من هذه السياسات أو تلك تنطوي على إنكار ما، أو تتولَّد منه؛ على أن سياسات الاعتراف، ومساراته، من وجهة نظر المحكومين والضعفاء والفقراء، لا تنتظم في نموذج واحد، قد يكون مقاربة قانونية وسياسية وأخلاقية، قوامها حرية الفرد، وحقوق الإنسان والمواطن، وغايتها تحقيق العدالة، بل تنتظم في نماذج مختلفة ومتناقضة، وكذلك سياسات الإنكار.

وفي جميع الأحوال تتبدّى سياسات الإنكار في الاعتراف من جانب واحد، و”الاحترام” من جانب واحد، و”التقدير” من جانب واحد، وكلها أشكال زائفة للتبعية والخضوع.

فثمة سياسة ومسار يفضيان إلى إذلال الإنسان وهدر إنسانيته، واللامبالاة بحقوقه وبحياته أيضا. السياسة هنا سياسة إرغام وقهر وإكراه، ومسار الاعتراف مساران متكاملان: مسار هدر وإذلال، ومسار ذل واضمحلال، يعبّر عنهما تاريخ الاعتقال السياسي، وتاريخ المعتقلات والسجون، وآليات الاستتباع والاصطفاء، والإقصاء والتهميش. قد يتوسع هذا النموذج، فيتعدّى علاقة المحقق والمعتقل، والسجان والسجين، إلى علاقة السلطة بالشعب، حين يصير الوطن كله سجنا والشعب رهينة، كما كانت الحال في سوريا وغيرها من البلدان، ولا تزال كذلك.

تخطيط: ساي سرحان

وثمّة سياسة ومسار عبرت عنهما ثورات الشابات والشباب السلمية، في بلدان الربيع العربي، قبل أن تجهضها قوى التسلط والاستبداد، وتلتهمها الثورات المضادة. السياسة هنا سياسة الحرية والمسار مسار الكرامة الإنسانية والعدالة غايتهما. وبين هذين النموذجين: نموذج الحاكم والمحكوم، ونموذج الحرية والكرامة، نماذج مختلفة تميل إلى أحد النموذجين الأصليين.

لذلك نذهب، في هذه المقاربة، مذهب من يعتبرون الاعتراف المتبادل مدخلا إلى العدالة أو “نظرية في العدالة”، و”نظرية في الهوية” أيضا.

إذ الاعتراف المتبادل بين أفراد المجتمع المعني وفئاته الاجتماعية بالمساواة في الكرامة الإنسانية والكرامة الوطنية، هو الشرط اللازم للمواطنة الحديثة، وهو المدخل الضروري أيضا لبناء الهوية الوطنية، المنفتحة على أفق إنساني، للحدّ من مفاعيل المركزية الإثنية والثقافية والمركزية الذكورية تبعا للمركزية السياسية والإدارية.

فإن تساوي الأفراد في الحقوق المدنية والسياسية يظل ناقصا ومثلوما وصوريا إلى حدّ بعيد ما لم يقترن بتساوي المعاني والقيم، التي يعتبرها كل منهم قوام هويته، بصفته فردا في جماعة إثنية أو ثقافية أو لغوية أو دينية. ومن هنا بالضبط تنشأ العلاقة بين الاعتراف والهوية، وتتبين أهمية المساواة بين المرجعيات الثقافية للأفراد والجماعات. الاعتراف المتبادل، في هذه الحال، هو السبيل الوحيد الممكن للخروج من العزلة الهووية والانغلاق على الذات، على صعيد الأفراد والجماعات، وعلى صعيد الأمم والشعوب. فإن نقد المركزية الإثنية العربية، على سبيل المثال يتجرّد من أيّ قيمة أخلاقية إذا لم يقترن بنقد المركزية المضادة، التي لا تعدو كونها ردّ فعل، وكذلك نقد “المركزية الأوروبية”، على الصعيد العالمي.

يمكن القول، هنا، أن المسألة تتعلق بالتعارض بين التاريخ والذاكرة، أي بين الحقيقة والوفاء، بتعبير بول ريكور، إذ الوفاء حجاب يحجب الحقيقة. هذا الحجاب هو نفسه إنكار.

الوفاء للأصل والعقيدة والعشيرة أو العصبية، هو عدم وفاء للإنسانية، عدم اعتراف بإنسانية الآخر المختلف والأخرى المختلفة. جميع أشكال المركزية تنطوي على وفاء ما، هو إنكار، وهذا وبال على الذات المنكِرة، من وجهة نظر تاريخية، يعبر عنها “مكر التاريخ”.

الاعتراف الذي تطلبه السلطة من المحكومين ناتج من عدم اعترافها بإنسانيتهم وأهليتهم وحقوقهم، ومن عدم اعترافها بحقهم في أن يقولوا (لا)، حتى لو كانوا غير قادرين على تجاوز الرفض إلى الفرض؛ لأن أيّ (لا) مهما صغرت تعني الشك في شرعية السلطة وجرح هيبتها وثلم سيادتها، وتهديد استقرارها واستمرارها، ومصالح أشخاصها.

فمنذ انطلاق الثورة السورية، ربيع 2011، كان جلّ، إن لم يكن كلّ، ما أراده شباب سوريا وشاباتها، هو الاعتراف بحريتهم وكرامتهم الإنسانية، وجدارتهم، واستحقاقهم الحقوق المدنية والسياسية المتساوية، والمكانة الاجتماعية اللائقة، والاعتراف بحقهم في احتلال موقعهم في الفضاء العام، الذي صادرته السلطة أو أمّمته. بالمقابل، لجأت السلطة، منذ الساعات الأولى إلى الإنكار التام، لا لمطالب الشباب والشابات والفئات الاجتماعية المهمشة فقط، بل للثورة أساسا، فوصفت الثورة بأنها “مؤامرة خارجية”، والثوار بأنهم “جماعات تكفيرية وإرهابية”. وللإنكار في فكر السلطة وثقافتها وممارستها تاريخ طويل يعود إلى عام 1958، ما يدفع إلى القول: إن الإنكار من أخصّ خصائص الاستبداد.

من موقع الإنكار التامّ تريد السلطة بوجه عام، والسلطة الشمولية، بوجه خاص، وأجهزتها الأمنية بوجه أخصّ، أن تعرف كل شيء عن موضوع سلطتها، وتلجأ في سبيل ذلك إلى انتزاع الاعتراف انتزاعا بالقوة العارية، إذ لا ترى في المحكومين شيئا أكثر من موضوع هامد، ويجب أن يكون مطاوعا، لكي تطمئن إلى قوتها، وشروط استمرارها، وهيهات أن تطمئن. فما أن تتمكن السلطة الشمولية من القضاء على المعارضة المنظمة حتى تلتفت إلى المعارضة الممكنة وغير المنظمة، كما لاحظت حنة أرندت، فيغدو كل مواطن مدانا وتحت الطلب، بتعبير الطيب التيزيني، أي إن كل مواطن مدان حتى يَثبُت ولاؤه الخالص، فيغدو الشعب، في نظرها عدوا موضوعيا.

وإلى ذلك تريد السلطة الشمولية أن تتحقق من نجاعة أيديولوجيتها وإعلامها، وهما ركنان أساسيان في بنيتها التسلطية، إلى جانب الجيش والمخابرات.

الاعتراف بالحقائق الواقعية والتاريخية موضع شبهة والتباس؛ لا لأن الجمهور لم يتمرّس بعدُ على قبول الحقائق كما هي، وعرض الأخطاء كما وقعت، فقط، بل لأن مبدأ السلطة هو إنكار الحقيقة الواقعية والتنكر لها

لكن المسألة تتعدّى هذا المستوى، إلى مستوى أعمق، أي إلى البنية الأساسية للمجتمع المعني، (هنا المجتمع السوري)، ومدى الاعتراف أو عدم الاعتراف المتبادل بين الأفراد والجماعات الإثنية / اللغوية والثقافية، ولا سيما الدينية منها والمذهبية، والحزبية أيضا. فقد تبين لنا من دراسة رأس المال الاجتماعي في سوريا(1)، ضعف عامل الثقة المتبادلة، وهو عامل أساسي، لا لتماسك المجتمع وترابط تنظيماته ومؤسساته وتكاملها فقط، بل لنجاعة التنمية الاقتصادية وعمليات إنتاج رأس المال المادي واستثماره أيضا. وقد انهار عامل الثقة أو كاد، في أثناء الحرب الهمجية الدائرة على الأرض وفي النفوس، ومرد هذين الضعف والانهيار النسبي، على الأرجح، هو عدم الاعتراف و/ أو الاعتراف الناقص والمراوغ والمثلوم، كاعتراف السلطة بأن الأكراد السوريين جزء أساسي من النسيج الوطني.

استعمل الفيلسوف الكندي شارل تايلور مفهوم الاعتراف في مجال المطالب السياسية المشروعة للأقليات (2) الثقافية والهويات المهمشة. ورأى أن المجتمعات التي تعرف تعددا ثقافيا يصبح فيها الاعتراف حاجة ضرورية، وذلك بالنظر إلى العلاقة القائمة بين الاعتراف والهوية.

وحسب عبارته فإنّ “هويتنا تتشكل جزئيا بالاعتراف أو بغيابه، وكذلك بالإدراك الخاطئ أو السيّئ الذي يملكه الآخرون عن هويتنا”(3). وكان لضعف الثقة وانهيارها النسبي أثر واضح في انتعاش الهويات ما قبل الوطنية، العربية منها وغير العربية، لا من قبيل ازدهار الثقافات المتعددة وتطورها، بل من قبيل انغلاقها على “خصوصياتها” وهوياتها السردية، ومطالبتها بالاعتراف بهذه الخصوصيات واحترامها، وهو مطلب حق. ولكن “ما يسمى احترام الخصوصيات أكثر من احترام الإنسان الفرد لإنسانيته وفرديته، موقف يضمر عنصرية مقيتة”، بتعبير أمين معلوف (4). فالاعتراف، “لا يتعلق بهوية خاصة لجماعة أو أفراد معينين، كما لاحظت نانسي فريزر، وإنما بمنزلتهم ومكانتهم الاجتماعية التي يجب أن تتناسب وتتوافق مع مبدأ التكافؤ في المشاركة. فعندما تعمل بعض الأنساق القيمية على جعل بعض الأفراد أو الجماعات كائنات دونية أو كائنات مقصية أو غير مرئية، فإنّ هذا يعني أنّ هذه الفئات لا تتمتع بمنزلة قانونية عادلة وليس لها حق مساو لحق غيرها في المشاركة”(5).

على صعيد الفكر والأدب، يرى كثيرون أن الاعتراف بالحقائق الواقعية والتاريخية موضع شبهة والتباس؛ لا لأن الجمهور لم يتمرّس بعدُ على قبول الحقائق كما هي، وعرض الأخطاء كما وقعت، فقط، بل لأن مبدأ السلطة هو إنكار الحقيقة الواقعية والتنكر لها، لذلك تبدو جرأة الكاتب والباحث والفنان والصحفي على كشف الحقائق سلوكا غير مقبول، (ويوهن نفسية الأمة، ويخدم أعداءها)، وقد يعامل الاعتراف على أنه من قبيل الفضائح التي يتداولها الناس سرا.

ولطالما كان إخفاء الحقائق والتستر على العيوب وإنكارها خدمة جليلة تقدّم للعدو. مثل هذا الموقف من الاعتراف بالحقيقة، سواء من قبل السلطة أم من قبل الجمهور، يرهب بعض الكتّاب والأدباء والفنانين المبدعين، فيحول دون اقترابهم من “الخطوط الحمر”، وخدش الصور النمطية، تحت طائلة التشهير بهم، واستبعادهم من الحياة الثقافية العامة أو اعتقالهم. “ففكرة الاعتراف محاطة بكثير من ضروب الحذر في مجتمعات تقليدية تتخيل أنها بلا أخطاء”(6). لذلك كله تنشأ عن “ذهنية التحريم”، التي عالجها صادق جلال العظم بعمق واقتدار، ثقافة إنكار، هي الجذر التاريخي لثقافة الخوف.

-----------

(1) - دراسة ميدانية أجراها المركز السوري لبحوث السياسات بدمشق.

(2) - مفهوم الأقليات ينطوي على إنكار ضمني للمساواة، ويستعمل بلا تبصر، عندما يقصد به الجماعات الهامشية، من وجهة نظر الأكثرية العددية. وهو مفهوم كمي مبني على وهم أيديولوجي مؤداه أن زيادة العدد تزيد في ماهية المعدود، وتمنحه قيمة إضافية. ويندرج في باب المكاثرة في العدد.

(3) - عن الزواوي بغورة، مجلة يتفكرون، العدد الرابع، صيف 2014.

(4) - أمين معلوف، اختلال العالم، ترجمة ميشال كرم، دار الفارابي، بيروت، 2009، ص 235.

(5) - عن الزواوي بغورة، المصدر نفسه.

(6) - راجع/ ي، عبد الله إبراهيم، مجلة يتفكرون، المصدر نفسه.

11