ثقافة الانعزال

الأربعاء 2017/11/01

من المفارقات الصادمة في الثقافة العربية الراهنة ارتهانها الدائم لأشكال التقيّة والتمييز بين حال الاستضعاف والتمكين، حتى حين يتعلق الأمر بفكر مناهض للحركات الأصولية المنتجة لهذا المفاهيم، فتبدو الخطابات الفردية في هذا السياق، حتى تلك التي تصدر عن كتّاب وباحثين متمثلة على نحو نفعي لا يخلو من انتهازية لمفاهيم الفكر العقلاني الحديث، بحيث يناهض هذا الخطاب العنصرية في حال الضعف، ويمارسها في حال الاستقواء، ويدافع عن بشرة صاحبه ولغته ومعتقده الديني في فرنسا.

لكنه لا يرى مانعا في اضطهاد مهاجرين من جنوب الصحراء، والتنكيل بمسيحيين أو يهود في مدينته بالمغرب أو الجزائر مثلا، ثم المطالبة بحقوق الأقليات في ألمانيا واستئصالهم في سنجاز أو معلولا. وتصدير العقيدة هناك وإعدام مورّديها هنا.

لكلّ هذا لا يمكن النظر إلى الثقافة العربية في عدد كبير من تجلياتها السلوكية تجاه ثقافات العالم إلا بوصفها انعزالية ومناهضة لمفاهيم الانفتاح والتعدد والحوارية، وهي الانعزالية التي وجدت صورها الأكثر عنفا بعد تفكك عدد كبير من الأقطار التي شهدت انتفاضات ما سمّي بالربيع العربي، وتحول مجتمعاتها إلى اللواذ بالأنوية القبلية والطائفية الصلبة، بحيث صارت العقود الطويلة من الاستعمار المباشر وحركات التحرر والارتباط بالنضال العالمي من أجل حقوق الإنسان ومناهضة العنصرية واضطهاد الأقليات مجرد ذكرى عابرة.

أذكر في زيارتي الأولى لأحد المراكز الجامعية بمدينة غرناطة أن باحثا عربيا من أصول شرقية كان يتحدث بازدراء كبير عن الوجود العربي في إسبانيا ويتوقّع لهم مصيرا مشابها، في يوم ما، لما حدث للموريسكيين مطلع القرن السابع عشر، موردا عشرات الأمثلة عن استشراء التطرف الديني ومظاهر الانغلاق السلوكي ورفض الاندماج، وقبل أن ننهي حديثنا قدم لي نصائح أخوية بخصوص تعاملاتي اليومية خلال تلك الزيارة البحثية العابرة، من بينها عدم اللجوء لخدمات مطاعم العرب ومحلاتهم التجارية والابتعاد ما أمكن عن تجمعاتهم الجالبة للمشاكل دونما فائدة.

وفي الواقع سبق لي أن صادفت هذه العينة من “المستغربين” (المنتجين للاستشراق المعكوس) في كل مرة زرت فيها أحد أقطار أوروبا، أولئك الذين سرعان ما يتحولون لإنتاج أكثر العواطف عنصرية تجاه بلدانهم ومجتمعاتهم بمجرد حصولهم على إقامات دائمة هناك، بل إن جزءا كبيرا منهم بات من أكثر الفئات راديكالية في القضايا السياسية التي تتعلق بمستقبل أوطانهم الجديدة، إذ صوّتت فئة عريضة منهم على الجبهة الوطنية الممثلة لأقصى اليمين في فرنسا، وصوّت آخرون لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، واليوم تناصر فئة عريضة استقلال كتالونيا،.. والأصل أن وجودهم هناك قائم على إقرار مجتمعاتهم المستقبلة بمبادئ الانفتاح وحرية التنقل وإزالة الحدود.

كاتب مغربي

15