ثقافة التجرد من الملابس

من المؤكد أن الضوابط الأخلاقية والروابط العشائرية تدين الجسد وتحبسه داخل عقليات متشبعة بأفكار تختلف تمام الاختلاف عن ممارساتها وسلوكياتها الفعلية.
الثلاثاء 2018/03/13
الاحتجاج بالتعري

اتخذت النساء في كل أقطار العالم من عيد المرأة العالمي فرصة للتنديد بالكثير من الممارسات في حقهن وكانت طرق تعبيرهن مختلفة، من بينها الخروج في مسيرات شهدت الحضور الذكوري جنبا إلى جنب مع المرأة لمساندتها في مطالبها.

قد يبدو كل هذا جيدا ومبشرا بكل خير، لكن ما دفعني إلى الخوض في هذه المسألة أنه استرعى انتباهي تجرد المتظاهرين نسوة ورجالا من ملابسهم وكتابة مطالبهم على أعضائهم التناسلية، وطبعا هذا أمر مألوف وطبيعي للغاية في الشق الغربي من الكرة الأرضية وليس بجديد على مجتمع تعود أن يكون متصالحا مع جسده ومع أجساد الآخرين، ومع ذلك استوقفتني الصور المنشورة لبعض هؤلاء العراة وجعلتني أغوص إلى أبعد من مجرد مشاهدتهم دون ثياب.

لم أكن أرى أجسادا عارية مقززة تحملني على إسدال حجابي على وجهي العروبي خجلا، بل رأيت فكرا لا يدعي الخفر ولا يسهب في ذكر الفضائل والمواعظ ويبطن استراق نظرات الشهوة والرياء بعيون متربصة مفترسة.
ولطالما أثبتت المجتمعات الغربية أن الجسد ليس عائقا بل الفكر هو الحاجز والعقبة أمام تواصل الأفراد بين بعضهم البعض بقطع النظر عن جنسهم وأصلهم وعرقهم ودينهم.

لا أدعو إلى التعري ولا أتبنى ثقافة التجرد من الملابس ولا أرمي إلى التقليد الأعمى للغربيين ولا أعني التشبع من زادهم اللغوي وزوادهم المرجعي، بل أريد أن ألفت الانتباه إلى الفوارق الكبيرة في النظرة إلى الجسد وإلى المرأة بشكل خاص، فالشعوب الغربية تقيم العديد من الاحتفالات والمهرجانات المرتبطة بعاداتها وتقاليدها على مبدأ التجرد من الملابس وإعطاء فسحة من الراحة للجسد، على الرغم من الاختلاط بين الجنسين في احتفال واحد ومكان واحد دون أن تنقلب الأجساد إلى جسد واحد.

في المقابل المجتمعات العربية سواء في احتفالاتها أو حياتها اليومية العادية مهما زادت أقمشة الأجساد أو قصرت تفضح العيون المبعثرة يمنى ويسرى عن تربص وشهوانية وعدوانية غير مبررة.

لاحظت في الصور أن بعض الرجال خير عدم خلع تبانه، وكذلك بعض النساء حرصن على ارتداء حمالات صدر وتبانات، وهذا يوضح مساحة الحرية التي يدورون في فلكها ويكشف أن المشاركة والخروج بصوت واحد لا يعنيان أن يكون الجمع جسدا واحدا مكشوفا غير مستور وإنما يؤكد تفاعل كل فرد مع جسده بكل شفافية.

هذا المشهد أعاد إلى ذهني نكتة مضحكة كنت سمعتها في سنوات الدراسة وهي “إيقاف جندي أفريقي عار بالشارع واستفساره عن سر تخليه عن ثيابه فقال إنه إجازة وهذا لباسه المدني”، قد تبدو هذه الطرفة مضحكة لكنها غير بريئة لأنها تقزم الأفارقة على أنهم شعوب بدائية يعيشون عراة، ومع ذلك كونوا مجتمعات متعايشة في خليات أسرية.

ما أريد قوله أن جغرافيا جسد المرأة لا يجب أن تلعب دورا كبيرا في رسم حدود علاقاتها بالرجل، وأن تفاصيل الجسد الذكوري لا تتيح له بالضرورة أن يضيع في متاهات لعوب تحيك الدسائس والمؤامرات، فالجسد الطيني مصيره الالتحام بالأرض والعودة إلى أصوله الترابية ولا يسمو إلى الأعالي غير النفس الأبية، وهذه ليست نظرة أفلاطونية فلسفية تعلي النفس على الجسد وتحط من شأنه، بل دعوة إلى تحكيم ملكة العقل التي حبا بها الله الإنسان عن سائر مخلوقاته.

فماذا يعني لو أن جميع الرجال على وجه البسيطة أغوتهم بنات أمنا حواء فذاقوا من شجرة التفاح، وبدت لهم سوآتهم؟ هل سيعبثون ويقيمون قبائل وشعوبا برغباتهم الحيوانية؟ مهما كانت نتيجة هذا العبث فإنه من المؤكد أن الضوابط الأخلاقية والروابط العشائرية تدين الجسد وتحبسه دخل عقليات متشبعة بأفكار تختلف تمام الاختلاف عن ممارساتها وسلوكياتها الفعلية، على الرغم من أهمية تعلم حسن التعامل مع الآخر بقطع النظر عن شكله وهيئته ولباسه فبالنهاية لم يخطئ الكاتب اللبناني جبران خليل جبران حين قال “جمال الروح هو الشيء الوحيد الذي يستطيع الأعمى أن يراه”.

21