ثقافة التخويف

السبت 2017/10/21

تتصف الرأسمالية، في مفهومها للسيطرة، بإخضاع الأفراد لآلياتها المهيمنة التي تتخذ أشكالا عدّة، من أهمها تنمية النزعة الاستهلاكيّة وجر هؤلاء الأفراد إلى الاعتماد على النظام الاقتصادي القائم، وسلب حريتهم الشخصية والحد من طموحاتهم، بواسطة القضاء على الفرص وانعدام المنافسة الفرديّة، ومن بين تلك الآليات أيضا، اعتماد مبدأ التخويف بواسطة منظومة واسعة ومعقدة من المفاهيم التحذيرية المتعلقة بحياة الأفراد الخاصّة.

يقول الكاتب الأوروغياني إدواردو غاليانو بهذا الصدد “إنّ الخوف بمثابة التهديد، إذا مارست الجنس ستصاب بالإيدز، إذا دخّنت ستصاب بالسرطان، إذا تنفست ستتنفس هواء ملوّثا، إذا أكلت ستحصل على الكوليسترول، إذا تكلمت ستخسر وظيفتك، إذا تمشيت في الشارع ستتعرض لحادث تسليب، إذا فكّرت سيقتلك القلق، إذا شككت سيقودك الأمر إلى الجنون”.

إنّ نظرية التخويف تلك، أو الفوبيا الدائمة من المجهول، هي الاستراتيجية الجديدة التي تقوم عليها ثقافة الهيمنة في العالم الرأسمالي، فالإنسان الخائف من شيء ما يفقد السيطرة على سلوكياته، وتتعطل آلية اتخاذ القرار لديه، ويصبح أكثر عدوانية وأكثر ميلا للوحدة والانعزال، والأهم من ذلك كلّه تعطيل مبدأ التعايش الطبيعي في بيئة إنسانية متعافية.

يقول ديستان فان فلويد، وهو طبيب متخصص في علم النفس الطبي، إن المرء يعاني طول حياته من وطأة التحذيرات والقواعد التي يضعها له النظام، وهذه التحذيرات والقواعد تكون في الغالب طبيّة بدافع الحرص على صحته، وقانونية بدافع ضرورة إخضاعه للقوانين، مع أن النتائج المترتبة على مخالفة تلك التوصيات والتحذيرات لا تكاد تذكر، وهي في أغلبها أمراض معاصرة نتجت عن طبيعة النظام الاقتصادي المهيمن في العقود الأخيرة، فشركات صناعة الأدوية والعلماء المتفرغون للأبحاث قد وجدوا علاجات مستدامة لأمراض مستعصية كالسكري والسرطان وغيرهما، لكن شركات التأمين المتضامنة مع شركات صناعة الأدوية التقليدية القديمة، تحول دون اعتماد تلك الاكتشافات الطبيّة المهولة صناعيا، وبالتالي الحيلولة دون وصولها إلى الملايين من المرضى المستفيدين، الذين يعذّبهم استخدام العلاجات التقليدية.

إنّ تغول السلوك الرأسمالي المشين في الغرب وسعيه الأعمى لتحقيق الأرباح، قد سلب الإنسانية أعز ما تملك، ألا وهو الكرامة، ففي زحمة النمط العصري للحياة أصبح لزاما على المرء فحص دم حبيبته قبل الاقتران بها، خوفا من أن تكون حاملة للمورثات الجينية نفسها التي يحملها هو، وبالتالي حتى المشاعر الإنسانية في أرقى أشكالها لم تنج من وطأة التحذيرات والتخويف، وفي الكثير من المجتمعات الغربية صار لزاما على المرء الدفع لتأمين موته، وفق مبدأ ادفع اليوم لتموت غدا ميتة جيّدة، أو بعبارة أخرى، لا تخالف الأنظمة والقواعد وانتظر موتك لتدفن بطريقة لائقة.

إن أبشع أنواع الاستلاب هو الشعور بأنّ حاضرنا مكبّل بمجموعة هائلة من التعقيدات والنظم، وإنّنا نعرف عن مستقبلنا المرسوم، الذي هو في علم الغيب أو الوهم، أكثر مما نعرف عن حاضرنا وماضينا، طالما شركات التأمين الخاصّة بالدفن تمنحك الخيارات المختلفة لطريقة دفنك وطبيعة الموكب الذي سيرافق جنازتك، والمتر المربّع من الأرض الذي تم شراؤه وتهيئته لتُقبر فيه، وفي المحصلة فإن النظام الرأسمالي، وأنماطه الاقتصادية الطاغية، قد رسم للأفراد طريقهم المحكم الذي يتحتم عليهم اتباعه، منذ لحظة الولادة حتى الموت، أما ما يقبع بينهما من أحلام وطموحات وسعي لتحقيق السعادة الشخصيّة، فلا يهم، وعلى المرء ألا يكترث به أو لا يقلق بشأنه، طالما هناك من يخطط لنا ويجنبنا المشقّة، إنّه النظام الأبوي، أو الأخ الأكبر الذي هو دائما على حق وينبغي الثقة بتقديراته والرضوخ لإرادته.

كاتب عراقي

15