ثقافة الترفيه.. بُعد غائب في حياتنا اليومية

علينا أن نجدّد ثقافتنا، ونعيد ترتيب الأولويات، ونجعل الترفيه في صدارتها، ونعلّم أطفالنا كيف يدّخرون المال من أجل الترفيه كما يدّخرونه من أجل الطعام واللباس.
الأحد 2018/07/15
أماكن تستهوي السياح

فصل الصيف هو موسم العطل والاصطياف، يُرْخِي بظلاله على الكثير من الأماكن والمدن في العالم، فتعجّ بالسياح الوافدين إليها من كل صوب وحدب، وتدبّ الحركة سريعة ونشيطة، ويبدو الأمر طبيعيا لا غرابة فيه بالنسبة للأجانب الوافدين من الدول الغربية عموما لأنّ ثقافة الترفيه مترسّخة لديهم بل هي جزء لا يتجزّأ من برامجهم السنوية المعتادة.

أمّا ما ليس طبيعيا هو تقلّص ثقافة الترفيه والسياحة وفي أغلب الأحيان انعدامها لدى العرب عموما، وحتى في البلدان التي تمثل السياحة العمود الفقري في اقتصادها على غرار المغرب وتونس، ولذلك بالتأكيد أسباب عديدة منها ما هو نفسي أو مرجعي يعود إلى طبيعة بناء الفكر ومنها ما هو مادي يتحكّم في ترتيب الأولويات.

تنقسم المدن العربية الكبيرة عادة إلى قسمين؛ أحدهما تقليدي شعبي تطلق عليه تسمية “البلاد العربي”، وهو القسم الذي يعجّ بممتهني الحرف اليدوية كاللباس التقليدي والمجوهرات والتحف، حيث يؤمّه عدد كبير من السياح يوميا. وثانيهما يمثل الجانب العصري من المدينة حيث المطاعم والنزل الفاخرة وهي أيضا أماكن تستهوي السياح وطالبي الراحة.

هذا طبعا بالإضافة إلى السياحة البحرية والجبلية والصحراوية. نكون مشدوهين تماما في بعض الحالات ونحن نشاهد هؤلاء السياح، أطفالا وشبابا وشيبا، يجوبون أزقة مدننا، يقرؤون التاريخ في بناءاتها العتيقة وفي تحفها ومقاهيها وأيضا أناسها، يدرسون لباسهم وطباعهم ومعاملاتهم، ويهتمون بكل التفاصيل الحياتية ولا يهملون الحيثيات وكأنهم دارسو التاريخ المحلي -تاريخنا- الذي نجهل القسم الأكبر منه أو وصلنا بطريقة مشوهة سياسيوية-فئوية لا تظهر إلا الوجه الجميل للسلطة والسلطان.

نتعجّب من وجود كبار السن يتجوّلون في الأزقة الضيقة وفي الفضاءات العامة، في بطء وتؤدة يتناسبان مع قدراتهم الجسدية التي انحدرت بفعل الزمن، يتشبثون ببعضهم البعض في ودّ وألفة لا نظير لهما، تعلو ملامح وجوههم ضحكات وابتسامات عريضة تنمّ عن شعورهم بالسعادة وابتهاجهم رغم مرورهم بسنّ اليأس. بعض الكبار أيضا شاهدناهم على مدرجات ملاعب كرة القدم يشجعون فرقهم ويهتزون نشوة بانتصاراتها.

أما ما يثلج الصدر ويجعل للحياة أكثر من معنى أن تشاهد بعض المقعدين على كراس متحرّكة يتجولون ويمرحون ويتبضّعون وكأن لا أثر لإعاقتهم على السير الطبيعي والمنطقي لحياتهم، عندها فقط فهمت المعنى الحقيقي للحياة وهو؛ أن نحياها بكل شغف مهما كانت وضعياتنا الجسدية والمادية والعمرية أيضا.

ألهذا الحدّ يعشقون الحياة؟ ألهذا المدى يعيشون أيامهم غير عابئين بما بعدها؟ ألا يأسفون لأنهم متيقنون مثلنا بأنهم سيغادرون الحياة في يوم ما؟ إنهم بكل بساطة ينهلون بفكرهم من الحياة على قدر ما تُحابيهم به من مسراتها، بل قوّتهم الذهنية تتجسّد أساسا في قدرتهم على التعامل الإيجابي والمثمر مع مساوئها.

نحن العرب -رغم إرثنا القبلي القائم على معايير القوة والبطش إلى جانب رقّة الإحساس والخطابة والصور الشعرية الزاخرة بالرومنسية- يتعاظم لدينا الخوف من الحاضر والمستقبل كما نخاف أيضا استحضار الماضي، نعلّم أطفالنا في أحضان أسرنا الانكماش وكبت المشاعر والترهّل المبكّر حتى أن بعض الشباب يقولون وهم في عقدهم الثالث “يكفي لقد كبرنا”، وكأن في عقولهم توقيتا خاصا للحياة بالمعنى البهيج لها.

لو تعمّقنا في الأمر وبمقارنة بسيطة سادت لما يقارب القرن ونصف القرن من الزمن بين “الغرب المادي” و”الشرق الروحي”، لوجدنا أن ثقافة الترفيه تمثل جزءا هاما جدا في حياتهم اليومية ولم تمنعهم هذه الثقافة من الإبداع العلمي والتقني والطبي والاستهلاكي، بل هم يقودون العالم سياسيا واقتصاديا، أما نحن فبقيت حياتنا رهينة ماض، فكرا وممارسة، ينظر إلى الترفيه على أنه مضيعة للوقت.

ما أثبته العلم أنّ الترفيه والسياحة أمران في غاية الأهمية في عصرنا الحالي نظرا للتراكمات والضغوط النفسية التي أفرزتها طبيعة الحياة المتسارعة التي نعيشها، وعليه، فعلينا أن نجدّد ثقافتنا، ونعيد ترتيب الأولويات، ونجعل الترفيه في صدارتها، ونعلّم أطفالنا كيف يدّخرون المال من أجل الترفيه كما يدّخرونه من أجل الطعام واللباس، نعلّمهم أيضا كيف يجعلون السفر نقطة قارة على جداول أعمالهم السنوية، وكيف يتعلمون في سفراتهم الداخلية والخارجية، ويمزجون بذلك بين الترفيه والتعليم.

على الأسر -مهما كانت الأوضاع المادية قاسية- أن تتعلّم كيف تستثمر بعض المال والوقت للترفيه، لكسر الرتابة المملة في الحياة العصيبة ولتجديد القدرة على الفعل المثمر. فليس من الضروري أن نؤمّ الأماكن السياحية المكلفة، وليس من الضروري أن نحجز في الفنادق، فبالإمكان أن نرفه عن أنفسنا وعن أطفالنا بالمجهود الأدنى؛ جولة بحرية في أقرب شاطئ لمحل السكن، أو جولة في أحد المنتزهات أو إحدى الحدائق والمحميات، أو تنظيم عشاء عائلي في أحد المطاعم الشعبية.

المهم أن نجذّر لدى ناشئتنا التوفيق الإيجابي والمثمر بين العمل الجاد والأوقات الضرورية للترفيه وتجاوز الرتابة والملل، علينا -نحن قبل السياح- أن نعرف مواطن الجمال في بلداننا.

21