ثقافة التعدد المتأصلة عربيا عصية على عبث داعش

الاثنين 2015/01/26

الأخطار المتنامية التي ما فتئت تحيط بالمكاسب الثقافية والحضارية للمواطن العربي خصوصا، وبالهوية العربية عموما، خاصة في البلدان التي تشهد حالة من الفوضى والاقتتال، شأن سوريا والعراق وليبيا واليمن، زادت حدتها وتضاعف تهديدها مع ظهور تنظيم “الدولة الإسلامية”، الذي أضحى في وقت قياسي، الأخطر على هذه “الرمزيات” الثقافية التي اكتسبت قيمتها بالاستنداد إلى عوامل عدّة صاغتها آلام الشعوب وانكساراتها قبل زهوها ورُخيّها.

قيمةٌ أضحت اليوم مُعرّضة للنسف والتحطيم والحرق وما إلى ذلك من وسائل التخريب التي يعمد إليها أعداء الإنسانية من أجل طمس ذاكرة شعوب برمّتها.

الإرهاب “الداعشي” من ثمة، لم يعد يقتصر على التقتيل والتنكيل بالجثث ومعارضة السيرورة الطبيعية للبشر، والصيرورة القويمة للتاريخ، بل أضحى اليوم، وهو الطامح إلى العودة بالأرض ومن عليها صوب الوراء والتقهقر ثقافيا وقيميا وحضاريا، يُحاول تنقية التاريخ وفق أهوائه وما يخدم مصالح قياداته ومن يقفون وراءهم. حيث أنّ طمس تاريخ الأمم يمر حتما عبر نسف ثقافتهم التي تعتبر ركنا أساسيا من أركان هويّتهم، بجل تعبيراتها وتشكُّلاتها. والعاملون على استهداف هذا التاريخ واعون لا محالة بأنّ ضرب الأمة العربية في مقتل يمر عبر ضرب تاريخها الذي يزخر بتنوع وتعدد لطالما تميزت به عن باقي الأمم.

المساجد التي تمّ نسفها في سوريا والعراق، والآثار والتّماثيل التي تمّ هدم صروحها، والكتب والمراجع التي أكلتها ألسنة اللهب، هي بالأساس ضربة قاصمة لن تندمل جراحها مع مرور الزمن. قيم ضاعت على يد مخربين يحملون من الإرهاب صنفين؛ أحدهما يستهدف الإنسان فينهي حياته، وآخر يستهدف ذاكرة الإنسان فينهي وُجوده.

لا مناص أنّ هويات الشعوب تتشكل عبر مراكماتها الثقافية والحضارية التي تتشابك فيما بينها لتميزها بشخصية مستقلة نتجت عن تأثر بالآخر يسير وفق منحيين؛ أوّلٌ إرادي يتمّ عن طريق المثاقفة والتبادل بجلّ أصنافه، وثانٍ قسري يمر عبر حروب الاحتلال والغزو وأشكال القهر والاستيطان الفكري الأخرى.

والجامع بين هذين المسارين أنّهما خاضعان على قدر المساواة لمنطق التنخيل مع نهاية كل دورة تاريخية وبداية تشكّل وعي جديد. تنخيل بمعناه الانتقائي الإيجابي، لم يطمس يوما ما سبقه بغاية إعادة البناء انطلاقا من فراغ، بل لطالما عمد إلى التأسيس على ما سبق، ولو كان أنقاضا، فحتى النبي محمد (ص) لم يهدم الكعبة واكتفى بتخليصها مما كانت تحتويه من أصنام، لو لم تكن رمزية تلك الأصنام تُناقض فكرة التوحيد في ذلك الوقت لظلت هي الأخرى قائمة إلى اليوم كتراث يدل على حقبة ما. غير أنّ اللاّفت في منهج الهدم والتدمير الكلّي الذي يسير عليه الداعشيون اليوم، يُحيلنا إلى مراح فكري آخر يستند عليه هذا التنظيم، مفاده إلغاء ما مضى جملة وتفصيلا، في سياق يُقارب العبث في مُبهَمِ شطحاته.

ذاكرة العراق وأبنائه، وسوريا وأبنائها، واليمن وليبيا وجل البلدان والشعوب العربية، لم تكن يوما لقيطة في مهبّ التاريخ ولا هي هجينة مشوهة (رغم مرورها بحقب استعمارية قاسية). هي ذاكرة ناتجة عمّا تخلّد في أفئدة شعوب المنطقة من عصارة الحضارات التي مرت على أرضهم، ثابتة ثبات الأرض لا تُعدم بقطع رأس تمثال المعري في إدلب السورية ولا بتدمير تمثال أبو تمام في الموصل العراقية.

ذاكرة، لو يعلم الداعشيون، أنها عصية عليهم بفعل التراكمات التي حققت ثراها على مرّ العصور، محصّنة بما تزخر به من ثقافة تشّكلت على هدي التعدد ولن تنزاح عنه سبيلا، لفهموا أنهم يحفرون في الماء بمحاولاتهم الاستئصالية العبثية.

ذاكرة، الثابت أنها ستلفظ داعش ومن شابهه لا محالة، لأنهم “غرباء”، كما يصفون أنفسهم، نعم غرباء عنها بثقافة التقتيل التي يحملونها، وعن عمقها الذي استوعب القيم الإنسانية الكونية، التي يقبعون حتما خارج حيزها زمانا ومكانا.

6