ثقافة الجريمة والعقل الشرير

السبت 2016/02/06

يتحقّق استخدام العنف العدواني في النّطاق الإنسانيّ، وضمن أشكال وتمظهرات عديدة ومتنوّعة، عبر أفعال وممارسات يجري إحداثها باليد أو باللّسان بغية إيقاع الضّرر الجسدي والمادي، أو الأذى المعنوي الفكري النّفسي -أو كليهما معا- بالآخر، سواء أكان هذا الآخر فردا أم جماعة، وذلك بهدف إكراهه، بقوّة العسف والقهر، على فعل شيء أو ترك شيء، على قبول أمر أو رفض أمر، على الرضاء بحال أو التمرّد على حال، على الاعتقاد بفكرة أو نبذ فكرة، على الأخذ بمنهج أو التّخلي عن منهج، وذلك في مجرى إرغام إرهابيّ يتوخّى معه ممارس العنف، أكان فردا أم جماعة، تأكيد هيمنته وتسلّطه الفردي أو الجماعي، على فرد معيّن أو جماعة بعينها، بغية كتابة حقوق زائفة يزعمها لنفسه فوق حقوق أصيلة يمتلكها ذاك الفرد أو تلك الجماعة، وذلك عبر الإمساك على نحو تعسّفي صارم بمقاليد جميع الأمور التي تخصّ مسارات الحياة وخيارات العقل والوجدان والضّمير والحقّ الأصيل في ممارسة الحقّ في تقرير المصير.

وإذ لا يمكن للفقرة السّابقة أن تزعم لنفسها إلماما جامعا مانعا، أو حتّى إشاريا، بتمظهرات العنف العدواني والجرائم التي يقترفها مرتكبوه بحقّ آخريهم من النّاس في أغلب المجتمعات الإنسانية في عالمنا الرّاهن، فإنّها لا تستطيع أن تزعم لنفسها إحاطة بما يقترفه هؤلاء العدوانيون العنيفون، أفرادا أو جماعات أو كيانات ودول، بحقّ الطّبيعة؛ عالما وبيئة وكائنات وكينونات وموائل وغابات ومساحات أروض وموارد ثروات وفضاءات سماوات.

وليس لكلتا الفقرتين السابقتين إلا أن تزعما لنفسيهما انطواء على ما يلمح إلى مجال ثالث يمارس فيه أناس من الناس، أفرادا وجماعات أو كيانات ودول، العنف العدوانيّ الرّاسخ في إرهاب مزمن، وما هذا المجال إلا مجال المبادئ النبيلة والقيم الإنسانية المكرّسة والأفكار والرؤى الذي يخترق كلا المجالين السابقين ويتشعب منسربا في العلاقات القائمة بين مكونات كل منهما، وبين مكوناتهما معا، والذي يفرض حضوره في بؤرة الاستهداف لحظة تعرض أيّ من هذه العلاقات إلى عنف عدواني يتوخّى أخذها إلى مسار قسري يحيل كل مبدأ أو قيمة أو فكرة أو رؤية تتمركز حولها هذه العلاقات، وتبثّها في عقول النّاس وضمائرهم ومسارات حياتهم، إلى نقيضها الذي لا يكون لتجسّد حضوره في ممارسات إرهابيّة إلا أن يكرّس حضور منظومات قيم نقيضة لا تلزم النّاس بشيء إلا أن يفارقوا إنسانيتهم، بل أن يعدموها.

في هذا المجال الفكري الثالث الذي يخترق المجالين الأولين ويتشعب فيهما، نسيج مكونات وعلاقات بينية، يكمن صلب مسألة العنف العدواني التي نقاربها الآن؛ إذ ليست الممارسات العدوانية العنفية، غير الإنسانية، التي تمارس في المجالين الطبيعي والإنساني، في زمننا هذا، إلا نتاج تصورات تخييلية موهومة لعقل شرير تفضي شريريته الطاغية إلى إلغائه، وهي -وفق ذلك- تجسيدات عملية لنوازع وغرائز وتصوّرات تخييلية وأوهام أيديولوجية أنتجها سقوط في قيعان نزوع استئثاري تملكي، أو وقوع تحت نير مظلمة عجفاء، وتبلورت في هيئة معتقدات متحجرة سوداء، أو أيديولوجيات عنصرية استعمارية توغل في تطرف منغلق وأعمى لا يمكن أتباعها والساقطين في قيعانها من رؤية أي آخر في الوجود سوى صور وجوههم المنعكسة في مراياهم مؤطّرة بجشع طاغ، واستئثار باغ، ونوازع غريزية وعقل شرّير تأخذهم إلى توحش قَرنيّ منقطع النّظير حتى لدى وحوش الغابات والبراري.

فما الذي تقترحه هذه المقاربة في ضوء الخلاصة الأخيرة التي تقول إنّ صلب المسألة كامن في ثقافة الجريمة وفي صلبها الفكر الظلامي الذي يسوغ الإرهاب ويحصن الآخذين به ومقترفيه؟

لا تقترح هذه المقاربة إلا أمرا واحدا هو بمثابة المدخل الرئيس لولوج البشرية الحقة دروب الرجوع عن الإيغال في دياميس العنف العدواني، وذلك عبر إعمال الفكر التنويري النقدي الصارم في جميع مكونات هذا العنف، لإدراك مسبباته الجذرية وترابطاته وامتداداته التي أخذت الإنسانية بعيدا عن حقيقتها، إذ أدخلتها في تلك الحلقات المفرغة التي تتشابك في دوائر عنف عدواني وعنف مضاد، فلا تنتج شيئا غير العنف الذي لن تكف حلقاته المتشابكة عن الدوران حتى تلحق بالضحية الجلاد، مهلكة الإنسان والطبيعة، ومغلقة دروب الحياة.

فهل ثمّة من إمكانية لأن يحيا البشر، كل البشر، في عالم تسوده القيم الإنسانية وتحكمه حقوق الناس التي هي لكل الناس؟

كاتب من فلسطين مقيم في براتيسلافا

16