ثقافة الحنين إلى العصور الحجرية

الخميس 2014/02/06

نشرت الصحافة الجزائرية مؤخرا خبرا مفاده أنّ “ناشطين على موقعي “يوتيوب” و”فايسبوك” اتهموا المغنية فلّة الجزائرية بالإساءة للصحابي بلال بن رباح، بينما طالب داعية سلفي هو الشيخ عبد الفتاح حمداش بمقاطعتها ومحاسبتها على قولها الطاعن في مؤذّن الرسول”. استمرّت الحملة على فلّة حتى بعد أن نفت التهمة وكذلك التأويل الخاطئ لما جاء على لسانها.

من جانب ثانٍ، نقلت “وكالة الصحافة الفرنسية”، نهاية الشهر الماضي، الخبر الآتي: “أدّى تحطيم مقام دفن فيه أحد علماء الأباضية كان وراء إدماج البدو العرب في مدينة غرداية الأمازيغية بالجنوب الجزائري، إلى مواجهات بين شباب المجموعتين ما يهدد بصراع طائفي قد يكون له عواقب وخيمة على البلاد”.

في مكان آخر من الأمة العربية، وفي وقت آخر، طالعتنا هذه المعلومة: “الشيخ عبد العزيز الفوزان يجهش بالبكاء لتطاول الكاتبة السعودية حصّة آل الشيخ على الذات الإلهية، ويطالب بتطبيق شرع الله فيها”. الكاتبة تنفي ما جاء في حقها، لكن الشيخ يواصل بكاءه على الشاشة الصغيرة ودعوته إلى الاقتصاص منها.

ومن الاسئلة التي توجّه يومياً إلى بعض الشيوخ والدعاة، هذا السؤال: “أعيش مع زوجتي في شقة صغيرة ولدينا كلب ذكر والسؤال هل يجوز لزوجتي التعري أمام هذا الكلب أم عليها عدم كشف عورتها أمامه؟” الجواب: السلام على من اتبع الهدى. لو كنت مسلماً مؤمناً فإن الكلب الأسود والحمار أجلّك الله والمرأة من مبطلات الصلاة. قيل ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر، قال الكلب الأسود شيطان…”

هذه بعض الأمثلة التي لا حصر لها تطالعنا نماذج منها يومياً في وسائل الإعلام المختلفة، وعلى الإنترنت، يضاف إليها كمّ كبير من الفتاوى التي تحلّل الذبح وإهدار الدم، وتكشف عن ذهنية لا تنتمي إلى العصور الحديثة، بل هي امتداد متأخّر لمحاكم التفتيش في القرون الوسطى والتي يعتبرها المؤرخون إحدى أكثر المؤسسات البشرية وحشية وأكثرها سواداً في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، لأنّ الهدف منها لم يكن فقط تعذيب الجسد وتدميره، بل أيضاً كسر النفس الإنسانية وتبديدها. المصابون باللوثة الدينية، مُدَّعو القدرة على معرفة القصد الإلهي، لا يقفون فقط ضد العلم والتقدم، وضد الابتكار والاكتشاف، وضد المرأة، وإنما ينقضّون أيضاً على الجانب العقلاني في الموروث الإسلامي نفسه.

أولئك الذين يستقتلون من أجل العودة بالزمن إلى الوراء يولدون ويتكاثرون في الزوايا المعتمة لدول الطغيان السياسي التي لا تحمي مواطنيها بل تقتلهم بفهمها الدموي للسياسة إذا لم تقتلتهم القراءة المتطرفة للدين. ذاك الخطاب الديني أليس هو أيضاً، من حيث نزعته الاستبدادية، صورة للتربة السياسية التي ينمو فيها والتي ساهمت في إنتاجه.

وهو خطاب يعمل على تغطية ثقافة القمع وتسويغها، هنا تحت حجة “الإساءة للذات الإلهية” أو”خدش الحياء العام”، وهناك تحت حجة “النيل من هيبة الدولة” أو “الخيانة والتعامل مع العدو الصهيوني”. هنا يطعنون نجيب محفوظ في عنقه ويحكمون على نصر حامد أبو زيد بتهمة الردّة والتفريق بينه وبين زوجته ابتهال يونس، ويصادرون كتبه، وهناك يعتقلون ويعذّبون ويقتلون، ويمارسون الاغتيالات السياسية. هذا التطابق ليس غريباً طالما أنّ الخطاب الديني والخطاب السياسي – حتى وإن تعارضا في الظاهر – متوافقان من حيث معاداة العقل ومناهضة الفكر النقدي، بما يعني نفي الإنسان عن نفسه وتجريده من طاقاته الذهنية وإخضاعه واستلابه. عندئذ نفهم مثلاً كيف يصبح رئيس دولة عربية قائداً غير عادي، ملهَماً، خالداً وأبدياً. بل هو نفسه يذهب أبعد من ذلك حين يستلّ سيف الدين: صدام حسين أنهى حياته وهو يصلّي، بشار الأسد “يدعو إلى صلاة الاستسقاء في جميع أنحاء سوريا”!


* كاتب وشاعر لبناني مقيم في باريس

14