ثقافة الحوار والمراجعة

من يريد أن يتعلم وأن يتجدد وعيه ويتلاءم مع المتغيرات، لا بد أن يكون منفتحا وأن لا يغلق الأبواب أمام الجديد وما هو غير مألوف وغير مكتشف، فقد تكتشف شاعرا أو نصا بعد حين.
السبت 2019/03/16
قراءة بلا محظورات

سألني شاعر صديق، من هم أساتذتك القدامى والجدد في الشعر؟

فقلت: كل الذين قرأت لهم واستمعت إليهم، من امرئ القيس حتى آخر قصيدة قرأتها هذا الصباح في إحدى الصحف التي أحرص على متابعة ما ينشر فيها من شعر جديد، لشعراء جدد، ولأنني أحاور كل ما أقرأ، فهذا الحوار يفتح لي بابا على أن أتعلم مما أقرأ، ما لم أكن أعرفه من قبل.

من عاداتي في القراءة، أن أعود بين الحين والحين إلى الكثير مما قرأت من قبل، وما أعود إليه في كثير من الحالات، أكون قد ذهب بي الظن إلى أنني ما عدت بحاجة إلى قراءته، شاعرا أو شعر مرحلة من المراحل، لكن حين أعود إلى ما كنت قد قرأت من قبل، أجد في هذه العودة ما لم أكن قد وجدته في قراءات قبلها، ذلك لأن القراءة حوار بين وعيين، وعي الكاتب ووعي القارئ، ولأن الوعي يتغير ما دام الإنسان يعيش حياته، فإن التلقي في كل قراءة يختلف عن القراءة التي سبقتها.

في الشعر، كما حدده السؤال، هكذا أفهم فكرة – الأستاذ – حيث لا يتمثل في شخص، بل يتمثل في الحوار مع نصه، لذلك فمن يريد أن يتعلم وأن يتجدد وعيه ويتلاءم مع المتغيرات، لا بد أن يكون منفتحا وأن لا يغلق الأبواب أمام الجديد وما هو غير مألوف وغير مكتشف، فقد تكتشف شاعرا أو نصا بعد حين، وكنت من قبل غير قريب منه أو في قطيعة مع شعره لهذا السبب أو ذاك، لكن في لحظة تلق حقيقي تجد ما يجعل من هذه اللحظة، أفقا واسعا ومفتوحا على أن تتعلم منه، ما لم تكن تعرفه من قبل.

ومن المؤكد أن كثيرين، ابتعدوا عن قراءة هذا الكاتب أو ذاك لأسباب تربوية بتأثير المحيط الأسري أو المحيط الاجتماعي، وفي الحالين يفعل التعصب والانغلاق وما وجدنا عليه الآباء، فعله على هذا الصعيد، وفي مقابل هذه الحالة تؤدي العوامل التي أشرنا إليها بكثيرين إلى فرض حصار شديد على قراءاتهم ومن ثم على مصادر معارفهم، فلا يقرأون إلا ما يتصادى مع ما ورثوا منها وما نشأوا عليه، وعندهم أنها الحقيقة المطلقة وكل ما يختلف عنها، قليلا أو كثيرا، هو رجس يجب اجتنابه، بل فيهم من أدخل مجتمعات آمنة في صراعات حادة بسبب تعصبهم لهذه المعارف وانغلاقهم على كل ما لا يكرر نصوصها، وهي صراعات تجاوزت الفكري إلى الدموي وما اقترن به من الممارسات القمعية.

ومن المؤسف أن هذا الانغلاق بكل ممارساته ونتائجه السلبية، لم تتخلص منه مجتمعات معاصرة كثيرة، بل انتقل إلى أوساط كان المتوقع منها أن تكون فضاء منفتحا على الآخر، وتتواصل مع المختلف بقبوله والحوار معه، ويحسب كثيرون من المنتمين إلى هذه الأوساط ، أن العنف ضد المختلف بكل أشكاله ليس سوى امتياز لها ودليل جدارة وإيمان. وتعد من لا يشاركها في ممارسات العنف الفكري أو اللفظي الشعاري أو المادي، دليل ضعفه وضعف إيمانه!

وإذ أعود إلى ما بدأت به مقالتي هذه، وتحديدا في ما يتعلق بقراءاتي الشعرية، ورغم أنني بدأت القراءة في سن مبكرة جدا، وبخاصة قراءة الشعر، فقد أبعدتني مؤثرات المحيط الذي نشأت فيه، عن تجارب شعرية استثنائية وقامات إبداعية متميزة، غير أنني وبجهود ذاتية وتجربة حياتية منفتحة استطعت أن أتجاوز بعض هذه المؤثرات ولا أقول جميعها، فكان لي أن أكتشف تجارب شعراء بالغة الثراء، وإن جاء هذا الاكتشاف متأخرا نسبيا، منهم أبونواس وأحمد شوقي وسعيد عقل وغيرهم أيضا، ولو لم أبادر إلى هذه المراجعة لكنت أنا الخاسر، معرفيا وجماليا.

14