ثقافة الحياة وثقافة الموت

الخميس 2015/09/17

ثقافة الحياة، أن تنهض في الصباح، تأخذ حماما ناعما، ترتدي ملابسك كلها بما في ذلك الحذاء، لا تنزعه إلا ساعة ايوائك الفراش ليلا، حتى وإن لم تكن ذاهبا للشغل، حتى وإن لم تكن تنوي الخروج.

وثقافة الموت هي أن تصحو متراخيا، متكاسلا، تلف في البيت طوال النهار بالبيجاما أو الملابس الداخلية، تتنقل من ركن إلى ركن بلا هدف أو نية.

في الأولى أنت مستعد للحياة، قادر على تلبية ندائها في أي لحظة، يكفي أن يطرأ طارئ في رأسك لفعل شيء، أو يتصل صديق أو تنتبه لحدث أو فعالية، حتى تكون جاهزا للتنفيذ. حذاؤك الذي في قدمك سيشارك، بدوره، في تحفيز تفكيرك ووضعك على أول الطريق، وربما فتح لك الباب أيضا.

وفي الثانية أنت اعتزلت الحياة، تركتها تسير في الخارج واخترت الانزواء. فإن صادفت حدثا أو اتصل صديق، تبدو لك حجم المكابدة التي تنتظرك لتخرج، وحسبت الوقت فوجدت أنه لا يكفيك لأخذ حمام وتغيير ملابسك، وحلق ذقنك، فتعتذر. وما الموت إلا اعتذارات متكررة.

ثقافة الحياة هي أن نعرف قيمة الوقت فنخاف على ضياعه، كأنه كنز يتسرب بين أصابعنا، نبدأ النهار بخطة واضحة، لا نضيع منه لحظة، نتألم للساعات التي لا ننجز فيها شيئا لأنها تذهب من عمرنا، لأنها الخسارة بعينها، لأن العمر الذي يذهب لا يعود. من قال إن “الوقت من ذهب” مخطئ، الوقت أثمن من الذهب بكثير، الوقت نحن!

أما ثقافة الموت فهي أن نتعامل مع الوقت كأنه عدو نريد قتله بأي وسيلة وحجة، فنقضي ساعاتنا وأيامنا في “كاندي كريش”، و”هيروز” وغيرها كثير من “الأسلحة” الفتاكة التي تلتهم الزمن، وتقضي على التفكير في أي شيء مجد، وتعطل أحلامنا وتهدر طاقتنا وتخدر أمزجتنا، فننفخ ونتأفف ونرفس متذمرين من طول الوقت، ضجرين من فراغه مع أنه مليء بل مثقل بالحياة.

ثقافة الحياة أن تحب الحركة فتعوّد جسدك عليها، حتى إذا نسيت ذكرك، فتململ وقلق، وإذا جلست ساعة أو ساعتين بلا حراك، شعر بأنه يغرق في حفرة، وأن المكان يضيق ويظلم، فانتفض وسحبك خلفه إلى ما يمتعه ويمتعك.

أما ثقافة الموت فهي أن تعود جسدك على الكسل، فإذا نهضت دخت وأصابك الدوران، وإذا جريت إلى قطار أو حافلة وقعت وأخذوك إلى المستشفى. أن تكون جائعا ولا تقوى على النهوض لجلب أكل، وأن يدق بابك فلا تفتح، أن تعجز عن فتح نوافذك وستائرك للشمس والهواء، وقلبك للبهجة.

ثقافة الحياة أن نحب الأكل الصحي، لأنه يحتوي على مقادير الحياة كاملة، أن نحبه حبا حقيقا، وليس إكراها لأنفسنا عليه، فمن أحب الحياة أحب جميع تجلياتها ومظاهرها، وإن كانت ثمرة يانعة أو ورقة طازجة، أو سمكة بألوان الفرح.

وثقافة الموت أن نأكل كأننا نؤدي وظيفة رتيبة مزعجة، يتطلبها الاستمرار لا غير، لا نفرق بين ما صنع ليمنحنا القوة والتركز والأمزجة الجيدة، وبين ما صنع ليفتك بصحتنا ويذهب بتركيزنا ويسد علينا منافذ الأوكسجين.

عاشت الحياة وعاش عشاقها.

21