ثقافة الحيل الفقهية وثقافة القانون

الخميس 2014/02/06

أدركتُ هذا متأخراً لكني أدركته في الأخير : ثقافة الحيل الفقهية هي العائق الأكبر أمام ثقافة الحق والقانون، وهي المانع الأعظم من بناء دولة المؤسّسات الحديثة، وهي الحاجز الأهم أمام دخول عصر الحداثة السياسية.

لماذا؟

لأنّ ثقافة الحق والقانون ودولة المؤسسات الحديثة تفترض أولاً وقبل كل شيء وجود أفراد قادرين على تحديد اختياراتهم باستقلالية ومسؤولية، إنها تتطلب انحياز مؤسسات التنشئة الاجتماعية لقيم الصدق والمسؤولية والشفافية والوضوح والالتزام، وإنها تقتضي أن تكون الإرادات الفرديّة حرّة ومستقلة وواعية بذاتها.

ثقافة الحق والقانون لا تقبل زواجاً أو تزويجاً بالمكيدة أو الإكراه، لا تقبل طلاقاً أو تطليقاً بالمكيدة أو الإكراه، لا تقبل بيعة للحاكم بالمكيدة أو الإكراه، لا تقبل بأي حال من الأحوال بالأمر الواقع الناجم عن الغلبة أو الوصاية أو الخديعة، وهذا بصرف النظر عن النتائج أو النوايا أو الغايات، وفي المقابل فإنّ ثقافة الحيل الفقهية تنمي القدرة على المكر والإنكار والتقية والكتمان، ولا تشترط في ذلك سوى أن تكون “النية” حفظ النفس أو النسل أو المال أو الدين أو أي شيء آخر، أو أن يظنّ المرء بأن نيته “الصلاح” أو “سد الذرائع″، أو يقنع نفسه بذلك، وهذا أسهل ما يكون في كل الأحوال.

في الواقع فإنّ تراثنا الفقهي ليس لديه سوى القليل مما يمكنه أن يعلمنا عن أخلاق المسؤولية والالتزام والتي أساسها الحريات الفردية، وفي المقابل لديه الكثير مما يمكنه أن يعلمنا عن ثقافة المكر والنفاق والخداع : الحرب خدعة، اُقضوا حوائجكم بالكتمان، من اُبتلي منكم فليستتر، درأ المفسدة الكبرى بمفسدة صغرى، الغاية تبرر الوسيلة، البراء بالقلب إن كان لا مفر من الولاء باللسان، الصلاة خلف من غلب، الضرورات تبيح المحظورات، للضرورة أحكام، إلخ.

ما يعني أننا من خلال تراثنا الفقهي اكتسبنا ثقافة الحيل الفقهية، وهي ثقافة مضادة لثقافة الحق والقانون ولدولة المؤسسات الحديثة.

إن كل من يتصفح كتب الفقه بعين ثقافة الحق والقانون سيقف على ما يذهل الأذهان من حيل فقهية في تفصيل الفتاوى حسب المصلحة، والتي لم يكن المقصود بها المصلحة العامة؛ لأنّ المصلحة العامة مفهوم حديث بكل المقاييس، لكنّها مصلحة معتبرة أو مرسلة يقع تقديرها على المفتي بمراعاة سياق وظروف السائل أو طالب الفتوى حصراً. وإلا فإن أحكام الفقه كانت تأتي دائما على طريقة : “سئل فلان رحمه الله عن كذا.. فأجاب بالقول إن رأي فلان كذا، لكن يخالفه علان في كذا، ورأي الجمهور كذا، ويرجح بعض الصحابة أو التابعين كذا على كذا، والرأي عندنا هو كذا.. والله أعلم”. بمعنى أن أحكام الفقه تجيب عن أسئلة محددة بظروف السائل وسياق السؤال حصراً، ثم تبقي الأبواب مفتوحة لجهة الالتفاف وعدم الالتزام، وكل هذا بخلاف ثقافة الحق والقانون والتي تفترض قدراً من الصرامة والوضوح والمسؤولية والالتزام.

24