ثقافة الخوف من المؤنث

الأحد 2013/10/20

هل يصح الوقوف، باستمرار، ضد تصنيف الإبداع نسبة إلى جنس مبدعه؟

لطالما رأى المثقفون العرب الذين يصفون أنفسهم ب"المتقدمين"، أو "التقدميين"، ورأيت معهم، بشيء من المجازفة وغياب الدقة، أن الكتابة الأدبية (رجلاً كان صاحبها أو امرأة) تصدر عن الإنسان الكلي، ابن المجتمع، الحاضر في لحظة التاريخ، المتمثل لمشكلات عصره، والناظر إلى المستقبل، بصرف النظر عن الجنس والهوية والعرق، وبعيداً عن أي اعتبارات للفروق الجنسية والاجتماعية والجغرافية. ومثل هذا الاعتقاد كان ينقصه التحديد، فضلاً عن إنه ظل يفتقر إلى الدقة، عندما نذهب إلى تشخيص المشكلات والقضايا التي تتداخل، ومن ثم تسهم في تشكيل الكتابة، وتحديد معالمها وغاياتها، وتفصيلاً، عندما تتفكر في الأنوثة وموقعها من الفنان، وفيه.

لربما كانت ضآلة الوعي النقدي، وضعف الاستعداد لفحص ومراجعة المقولات التي تسيطر على هذا الوعي، وتأسر المخيلة الجماعية للمثقفين، سببين لافتين في تخلف تلك الذهنية التي دأبت على إنتاج، وإعادة إنتاج الأوهام حول الآخر/ المرأة، في سياق نظرة إلى الأشياء تسلِّم بالمعطى، من دون فحص، وتأخذ بالأشياء على عواهنها وعلاتها. يستوي في ذلك (وإن بدرجات متفاوتة) المثقف الإسلامي، والمثقف العلماني (قومياً) كان أم ماركسياً، أو هو ليبرالي (واهماً أو لاعباً). حداثياً أم سلفياً.

والسؤال، الآن، ما الذي يجعل النظرة العربية إلى المرأة، والسلوك بإزائها، لدى نخب مختلفة فكرياً محكومة، في الجوهر منهما، بمقاييس ومعايير متشابهة؟ بما يجعلنا نتخيل أن الفجوات القائمة بين فكرٍ رجعي وفكرٍ متقدم تبقى نظرية، يؤكدها ذلك السلوك المشترك لدى الرجال في تسييد قيم الذكورة المعتدّة بتفوقها. إن الموقف من المرأة، لابد أن يعتبر معيارياً، لو سلمنا بحقيقة أن الحياة لها صانعان. وأن المثقف هو أقدر على التخلي عما اغتصبه (الرجل) عبر التاريخ من حقوق المرأة واعتبره حقاً مكتسباً. لكن الأمر في ثقافتنا يبدو أعقد من هذا التشخيص المبسط، ففي استقصاء أعددته في مطلع التسعينات يوم كنت أصدر مجلة "الكاتبة" حول "المؤنث" والرجل العربي توجهت به من الشعراء والكتاب العرب، بقصد التعرف على طبيعة نظرتهم إلى المسألة، ومدى انشغالهم بها، وموقع المؤنث من إبداعاتهم، وقبلاً من تكوينهم الفكري والروحي، بدا لي أن غالبية هؤلاء المثقفين لم يكونوا منشغلين بالفكرة، أو هم دوهموا بالتساؤلات المطروحة، ووجدوها، ربما، أكثر جرأة من أن تُحتمل في ظل واقع عربي يشهد انحطاطاً اجتماعياً وروحياً، ونكوصاً فكرياً مضطرداً يجد تجلياته في حوادث ومظاهر شتى أصابت في الصميم مختلف نواحي الحياة والنشاط الإنسانيين في العالم العربي. رصدتُ يومها، وما زلت ألاحظ الشيء نفسه اليوم، تهيباً لدى المثقفين الرجال من فكرة السؤال حول الأنوثة والذكورة ومكانة المؤنث في المجتمع العربي والثقافة العربية وموقع الرجل من كل هذا، حتى من قبل أولئك الذين تحمسوا لطرح الفكرة، وقد رأوا في بعض ما رأيناه مدخلاً ضرورياً لطرح تساؤلات حول الأنا والآخر والأبعاد النفسية والوجدانية العميقة التي تقوم عليها العلاقات بين الرجال والنساء، والمحتوى الفكري والجمالي للقاء الأنوثة والذكورة في كائن، وبين كائنين، والتجليات الجمة والثرية لهذا اللقاء في الظواهر الأدبية والفنية.

فما الذي يجعل المثقف العربي خائفاً ومرتاباً من الأنوثة؟!

***

لنكن أكثر صراحة، ولنقل إن "المثقف التقدمي" يسلم بالأفكار الجديدة والجريئة، وعندما يصل الأمر إلى السلوك تتبدى مظاهر عجزه عن المغامرة وخوفه من الأخذ بها أخذ السالك، حتى لتبدو الهوة بين الفكر وفعله في الوقائع، سمةَ ثقافةٍ، ودليلاً إلى شرخ عميق في الشخصية.

إن السؤال، هنا، حول المؤنث والرجل يتيح فرصة لامتحان مدى استعداد المثقفين العرب وجديتهم في بمراجعة منظومة كاملة من الأفكار والتصورات والأعراف التي أسست لقيمهم ومبادئهم ونظرتهم الخاصة إلى الوجود، والتي تجد ترجمتها في الموقف من الحياة والمجتمع، وفي الأساس منها النظرة إلى الآخر/الأنثى، وموقعها الاجتماعي.

***

لكأن الأنثى بإزاء (رجولة الرجل) في العلم العربي ما تزال الأدنى بازاء الأعلى والأضعف بازاء الأقوى، والقاصر بازاء الحامي، والناقص عقلاً بازاء الحكيم. ولها في ختام هذه السلسلة من الصفات والأوضاع مقعد المربية امتدادا لوظيفتها النهائية كحاضنة أطفال، أما عالمها فهو لن يحضر إلا كتفصيل في عالم الرجل.

11