ثقافة الدفع

الاثنين 2015/05/18

حين تضطرك ظروفك إلى اللجوء لوسيلة مواصلات مصرية عامة حتماً ستدرك معنى “ثقافة الزق” أو الدفع، فالزق هو أن تدفع الشخص الذي أمامك للحاق بوجهتك قبل إغلاق الأبواب وهو طريقة مصرية بحتة ولكنها تسللت إلى بعض الدول العربية على استحياء، ولكي لا نتركها تعبر الحدود بدأنا في الترسيخ لثقافة الزق وتوريثها للأجيال القادمة حتى لا تتلف إحدى عاداتنا التراثية وتمحى من ذاكرة الأجيال الجديدة أو ينسبها أحد الشعوب السارقة لتراثنا المصري الضارب بقوة في أعماق أعماقنا لنفسه.

قد تعاني بعض مواصلاتنا العامة من الاكتظاظ حتى أن بعض حافلات هيئة النقل العام قد تضطر آسفة من باب تخفيف الحمولة وتقليل العبء عن المواتير المتهالكة بالأساس إلى “دحرجة” بعض المواطنين المعلقين بها في الطريق (وكل راكب وحظه ودرجة تعلقه بالعربة) فالراكب على السلالم والمتسلق هو أول من تلفظه الحافلة ولكن السعيد صاحب الحظ الوفير والذي أكسبه التسلق في الأيام الخوالي المزيد من الخبرة والحنكة حتى أصبح من أبطال فن “الزق” هو الذي يجلس على المقعد ويحسده الكثير من الركاب على حالة النشوة والاسترخاء والاستمتاع بالنظر من شباك الأتوبيس حيث تتمتع جميع المواصلات بميزة رائعة وهي أن جميع نوافذها تطل على الشارع فيا للروعة والمتعة.

وهكذا يتمسك أصحاب ثقافة الدفع بما اكتسبوه من خبرة أتاحت لهم هذا المشهد الرائع وتلك المكانة الحافظة لبعض كرامة أهدرتها وسائل مواصلات فقدت عائلها.

ولا يختلف الوضع حين تكون الحافلات شبه فارغة في غير أوقات الذروة، فتجد أيضاً أصحاب “ثقافة الدفع” يقومون بدفع من يقف أمامهم وربما إصابته لنيل هدفهم النبيل، متسلحين بإرثهم الثقافي، خاصة وأنهم أصبحوا بحكم الخبرة فاقدي الثقة في كون وسيلة المواصلات شبه فارغة حقاً، فهم يخشون أن يكون الأمر مجرد “خداع بصري” أو حلقة من برنامج الكاميرا الخفية.

ولأن الدفع ثقافة فكثير من المصريين يستخدمون الكلمة بمعناها الحرفي والفعلي إذ تجد من تعطلت سيارتهم الخاصة ينادون على المارة بالشوارع بجملة “محتاجين زقة” فتبدأ حفلات الدفع الجماعي يقودها الشباب ومفتولي العضلات، ومهما كان عدد المجتمعين في حفلات الدفع الجماعي لا يخضعون للمساءلة القانونية -خاصة في ظل القوانيين التي تمنع التجمهر- فوحده الدفع هو المعفي من المسؤولية القانونية.

وهناك نوع آخر من “ثقافة الدفع” وهو حكر على معدومي الدخل المثقلين بارتفاع الأسعار ومتطلبات صغارهم والناقمين على أوضاع اقتصادية قاسية وهوة كبيرة بين فقراء الوطن وأغنيائه، وحكومات متعاقبة فقدت القدرة على سد تلك الفجوة، مع عجز حكومي معترف به عن توفير حياة كريمة أو معاشات لائقة لفئة مهمشة تعيش بثقافة (ندفع الأيام عسى أن تمر وينتهي معها العمر).

21