ثقافة الدين وفهم المرحلة

السبت 2017/02/11

هل لدينا ثقافة الدين؟ وهل لدينا ثقافة دينية واعية؟ وهل الدين ثقافة أم هو إيمان واتّباع وإخلاص وتأدية لطقوس بعيدا عن مفهوم الثقافة؟

تنازعت في السنوات الأخيرة من القرن الجديد، العديد من علامات الاستفهام التي أحاطت بمفهوم الدين وخاصة بعد أن علا شأن الممارسة الدينية سواء منها الدين الإسلامي أو الأديان الأخرى وهي ربما مرحلة من مراحل العيش التي يمر بها الإنسان عبر التاريخ، وهي ذاتها التي تنطبق عليها هذه الأسئلة في كلّ تلك المراحل التي كان فيها الدين هو الذي يتسيّد الحركة المجتمعية بدءا من الآلهة ومن ثم الأديان والكهنة والأديرة والكنائس، سواء ما كان منها أديان سماوية أم غير سماوية حين يتحوّل من هو صاحب العمل في تقريب الناس إلى الله من خلال الفعل القويم والصحيح الذي يرتبط بالثقافة كوعي حتمي بالممارسة الدينية إلى فعل قاتل وقامت وصاكّ على الحركة العقلية للبشر في محاولة للسيطرة على العقل والسيطرة على الحركة الجمعية التي تتبع الروح والروحانيات وتتبع العقيدة والشريعة وتتبع الأحكام والأقوال التي غالبا ما يكون غير متفّق عليها.

ولهذا يكون الانتماء إلى الحركة الجمعية التي تقودها قوّة تُربِط نفسها بالسماء على أنها الأقرب والأفهم والأصلح والأعم في ترتيب البيت الحياتي للبشر، هذا الانتماء هو الذي يغيّب العقل والثقافة لأنه محكوم بقلّة الوعي، فيكون هناك خلط بين مفهوم الدين كوسيلةٍ عبادية مهمّتها ترتيب العقل وتنظيف البدن وتدوير الانفعال وتحقيق العدالة وتوزيع المهام وتنقيط الكلام.

وبين ثقافة الدين التي يراد لها أن تحكم الانفلات من محاولات تسييس الدين على أنه فعل إراديّ حرّ لا إجبار فيه، وهنا أيضا يقع الخلط حتى من الفئة التي تريد أن تعارض الفعل الخاص على أنه فعل سماويّ. ويكون الفعل العام على أنه فعل خاطئ. وهنا يحصل التضاد بل يحصل الخرق والتعارض وتحصل القطيعة والتهديد ويحصل التخوين والتكفير ويحصل الارتداد والارتطام، لأن السعي محموم لإلغاء الآخر، ولذا يسعى الطرف الديني إلى الدفاع بقوّة الموت بحجّة الكفر أو مقاومة السماء والانسلاخ عنها بدعوى الثقافة.

وبهذا تضيع الغاية من الاثنين حين لا يكون الاستعمال الأصح والأدق في تعديل اعوجاج التصرّف وتوصيله إلى حقيقة العبادة وتصحيح الميلان في التفكير بين الطرفين، وهو ما يعني الانفلات من الغرض العبادي.

الاتّباع الأعمى يفقد التفكير الحقيقي بوجوده كإنسان عابد لله وسيقود إلى غياب الثقافة والوعي وسنرى التعصّب من المعارضين الثقافيين لأنهم جعلوا من الفهم الثقافي على أنه الوسيلة الأوحد في تصحيح المسار والوصول إلى برّ الأمان للحرية العبادية.

لا شيء لا يحتاج إلى ثقافة ولكن في موضوعة الدين يحتاج الأمر إلى ثقافة راسخة قادرة على المقابلة بالحجّة الثقافية التي لا تريد نفور الآخر الذي غيّب العقل من قبل من يعتقد أنه امتلك الدين ووصل إلى مرتبة عالية من السماء وهو ما نراه جليّا في الكثير من الأديان.

وإذا ما أردنا الخوض في عمق الموضوع وبعيدا عن الممارسات التي أفضت إلى صناعة التيارات الدينية المتعصبة ومنها داعش وقبلها القاعدة والكثير من التيارات المسلّحة سواء في المسيحة أو اليهودية أو الأديان الوضعية الأخرى، نرى أن السبب هو غياب الفعل الثقافي لدى الكثير من المؤيدين الذين غيّبوا العقل واحتكموا إلى من منحهم الفقه الديني الذي أنتجته عقول تنتج سبيلا يتحكّم بالعقول وتقوده لتحقيق الغايات والأهداف التي تعتمد على ما لا يفسر من الجمْع وهو ما يعني أن الثقافة التي أنتجت هذا الفعل المتطرّف هي ثقافةٌ قاتلة تحتاج إلى فعل لا إلى ردّة فعل لأنها هنا ستقابلها بالقوّة وتعاكسها بالاتجاه، وسيكون الاتجاه ذاته هو التعصّب الآخر الذي يقود العقل إلى التغييب وخاصة العقل الذي لا يريد للثقافة أن تكون واعية لديه فيكون التسليم بمن يعتقد أنه الأفهم والأعقل ليكون الخلاص على يديه.

لذا فنحن بحاجة إلى فعل ثقافي جديد ينتج لنا مفهوما جديدا للدين الذي يحمل ثباته مثلما تحمل السماء ثباتها وهي إنها سماء ثقافية واعية بحقيقة الإنتاج الفعلي للإنسان والجمال.

كاتب من العراق

15