ثقافة الرعاع.. صعود الاستبداد والفساد والعنف

الأحد 2014/06/15
أول هجوم قام به الرعاع على الثقافة هو الهجوم على الموسيقى والأغنية

تكون عبر عقود من زمن الديكتاتوريات ذات الإهاب العسكري- الريفي نمط من الثقافة خطير جداً على حياة الناس ومستقبلهم، أقصد الثقافة الرعاعية.

والرعاع فئات اجتماعية تظهر في كل العصور والأزمان، لكنها لم تشكل في يوم من الأيام فئة مهيمنة وعياً وسلوكاً.

إنها ذات علاقة خارجية بالعمل الاجتماعي، سواء كان عملاً حرفياً صناعياً أو عملاً زراعياً أو تجارياً أو مؤسساتياً أو خدمياً، وهذا من حيث المبدأ يجعلها أقل الفئات قدرة على امتلاك الثقافة الروحية التي تنتجها النخبة من جهة، وعلى احترام الثقافة الشعبية التي تحافظ على العلاقات المعشرية وفق قيم العيش المشترك والاعتراف بالحق، من جهة ثانية.

والرعاع يقعون على هامش المدينة والمدنية، وأصولهم متعددة مدينية وقروية، ولهذا، فهم في تكاثرهم حول المدينة، شكلوا بنية من الانحطاط الثقافي والسلوكي والعمل المنبوذ، وكلما عاش المجتمع أزمات اقتصادية واستبداداً سلطوياً زاد من همجية هذه الفئات.

وآية ذلك أن النخبة الفاشية الاستبدادية الحاكمة ذات العصبية القبلية أو الطائفية أو الأسروية أو العسكرية، تجد نفسها في حاجة ماسة إلى هؤلاء كأدوات رخيصة لفرض السيطرة.


سلطة اللاأخلاق


والنخبة الاستبدادية ذات العصبيات آنفة الذكر هي بدورها ذات أخلاق رعاعية.

ذلك أنها لا تستطيع أن تحكم وفق القيم المجتمعية ذات العمق الإنساني، ولا وفق قانون مدني ينظم العلاقات بين السلطة والمجتمع، ولا وفق قانون الاعتراف الذي يحفظ الحق، ولا وفق القيم الدينية التي تؤكد الأخوّة والتسامح إنها، وقد أطاحت بكامل عالم القيم هذا، راحت تؤسس استمرارها على عصبية رعاعية وثقافة رعاعية بامتياز. ثقافة قائمة على النهب والسرقة والتدمير والاعتداء والتسلط والاغتيال والقتل.

مع الرعاعية الديكتاتورية تحولت ثقافة المؤسسة القائمة على القانون الصارم، إلى ثقافة القرابة والصداقة والمضافة والعداوة القروية وثقافة الاحتلال الأمني والعسكري للفضاء المدني

في ثقافة رعاعية كهذه صار كل شيء مباحاً، ولم تعد هناك حدود لتحطيم العقل والقيم الإيجابية التي تحفظ التعايش الاجتماعي. ولهذا كانت حاجة السلطة إلى جمهور الرعاع كبيرةً من مخبرين وعسكر ومرافقين وعصابات إلخ.

والحق أن صعيداً واحداً من صعد الحياة لم يسلم من اعتداء الثقافة الرعاعية.

ولما كانت طبيعة السلطة الديكتاتورية الحاكمة رعاعية، فأول حقل تم الاعتداء عليه هو المال العام، الذي هو نظرياً من مسؤولية مؤسسة الدولة. فالحاكم وحاشيته، وقد جعلوا الدولة ملكية خاصة، وأزالوا التمايز بين الدولة والسلطة، أزالوا بأعمالهم مفهوم الدولة فأصبحت كل الثروات مباحة، من أرض ومال ومشاريع.

والنهب اللامحدود هذا هو الذي راكم كمية كبيرة من الأموال المنهوبة، وما كان لهذا الاعتداء أن يتوسع ويتم في العلن، لو لم تَمُتْ في وعي الرعاعي فكرة الدولة بكل حمولاتها القانونية والسيادية والحقوقية. وهذا بدوره أدى إلى تحطيم قيم المؤسساتية.


ثقافة الرعاع


تعتبر المؤسسة أهم معلم من معالم الدولة، والمؤسسة التي أعني تلك التي تقوم بخدمة مصالح الناس، وتنظيم علاقاتهم وشؤون حياتهم الاقتصادية والتعليمية والثقافية والقضائية والاجتماعية. لقد حطمت ثقافة الرعاع كل هذا تحطيماً لم يشهد له التاريخ مثيلاً.

فمن جهة لم يعد العامل في المؤسسة ينتمي إلى عمله، بل إلى ما تحقق له المؤسسة من مصالح خارج القانون، ومن جهة أخرى صار مسؤول المؤسسة هو مالك المؤسسة، أو ملتزم أرض على الطريقة الإقطاعية العثمانية، فهو جابٍ ينهب، فيأخذ حصته ويعطي صاحب القرار حصته.

لم يعد النظام السياسي يكترث بما نسميه الكادر، حيث الإنسان المناسب في المكان المناسب، بل أخذ اعتبارات الولاء والطائفة والمنطقة والخنوع.

ولهذا انهارت هيبة المؤسسة أمام الرأي العام، ولم يعد التعامل معها إلا في إطار الرشوة والمعرفة المسبقة، وقيم ما قبل الدولة والحداثة.

لم تعد المشكلة نقل ثقافة المجتمع التقليدي إلى ثقافة المجتمع الحديث فقط، وإنما تحطيم المعايير بكل صلف رعاعي، فلقد تحولت ثقافة المؤسسة القائمة على القانون الصارم، إلى ثقافة القرابة والصداقة والمضافة والعداوة القروية من جهة، وإلى ثقافة الاحتلال من جهة ثانية. تحطمت الصورة المحترمة للوظيفة المؤسساتية فزال الاحترام لها، وهذا يعني لم يعد في المجتمع نخبة مؤسسة. فالقاضي ومدير الناحية ومدير المنطقة والمحافظ ومدير المؤسسة هذه أو تلك تحولوا من زاوية رؤية المجتمع إلى فاسدين من جهة وخدّام عند السلطان من جهة أخرى. ولقد سعت عصابة ثقافة الرعاع إلى تحطيم معايير الثقافة العلمية والأكاديمية والمدرسية.

انحصر خطاب الدعاة الرعاعيين في المرأة بوصفها عورة العورات وفي الخمر والعقاب والقصص الساذجة

كانت الجامعة أول دريئة أطلق عليها الرعاعيون سهام حقدهم، فلم تعد الكفاءة العلمية معياراً للعمل في السلك الجامعي، وقد تسللَ إلى الجامعة حشد من النوكة (الحمقى)، وبخاصة كليات الآداب والعلوم الإنسانية، التي تتطلب إلى جانب التحصيل العلمي – المعرفي الموهبة والشعور بالهموم الفكرية والجمالية، وتحولت النخبة الأكاديمية إلى أقلية تكافح من أجل الحفاظ على القيم العلمية، لكن الحمل كان، دائما، أثقل من قدرتها.


احتلال الجامعة


ولّد تسلل ثقافة الرعاع إلى الجامعة نمطاً جديداً من المدرسين والأساتذة المساعدين والأساتذة الذين لا علاقة لهم بالكِتاب ولا بالكتابة، ولا علاقة لهم بالنزاهة العلمية، فهم يسطون على مقالات الآخرين لنشرها وتقديمها للحصول على المرتبة العلمية الأعلى، ويتكشفون خالين من النزاهة الأخلاقية، فهم يتكسبون من الطلاب بأساليب رخيصة. لقد تحول هذا النمط إلى نمط عدواني ضد أخلاق المعرفة، بل ولأول مرة في تاريخ الجامعة العالمي يغدو أستاذ جامعي مخبراً، ويعرف أن الآخرين يعرفونه مخبراً، ويعرف الآخرون أنه يعرف أنهم يعرفونه، ويمشي في حرم الجامعة وردهاتها دون أن يرف له جفن. وانتقال ثقافة المخبرين إلى الجامعة حطم معنى الجامعة القائم على إنتاج المعرفة والنخب والمعايير، فانزوت الجامعة مؤسسة خالية من تقاليدها الكفاحية بوصفها مختبر النخبة لإنتاج الحدث الثقافي والسياسي.

أما الثقافة المبدعة فقد خاضت صراعاً هائلاً وصعباً مع ثقافة الرعاع التي راحت تغزو صُعُدَ الإبداع الثقافي.

فبعد أن حطم النظام الديكتاتوري – الرعاعي الثقافة بالمعنى الموضوعي للكلمة، ثقافة القيم الإيجابية، راح يصارع الثقافة التي تصدر عن الحرية، ففي الوقت الذي راح فيه المبدع يخترق حواجز السلطة لممارسة ماهيته الثقافية- الأدب والفكر والفن والموسيقى، كانت تنمو على الضفاف الكائنات المتطفلة على الإبداع. فلقد جندت مؤسسة السلطة الأيديولوجية مجموعة من الأقلام لتأكيد فرادة “الزعيم”، “القائد” وتحويل أقواله إلى نصوص مقدسة لا يأتيها الباطل من خلفها ولا من بين يديها، فتحول الكلام الخالي من المعنى إلى موضوع تأكيد قداسة وفرادة.


الشعر والفلسفة


كان أول هجوم قام به الرعاع على الثقافة هو الهجوم على الموسيقى والأغنية لحناً وكلمات وصوتاً. صار الكلام المبتذل السوقي كلام أغنية بلحن فلاحي مزيف، وسيطرت هذه الظاهرة على السوق. والعدد القليل الذي راح يقاوم هذا الانحطاط كان في عراك مع السوق، فانتشرت السلعة الرديئة، وعُمّم الذوق المنحط، وأصبح حجم تداول الفن الرفيع محدوداً.

أدت الثقافة الرعاعية إلى تحويل الانتماء الديني الطبيعي إلى موقف طائفي، وجُعل القتل عند التنظيمات الرعاعية العنفية أداة لتحقيق ما لا يمكن أن يتحقق في التاريخ

وفي كل مجالات الإبداع كان هناك صراع خفي وعلني بين الثقافة ذات الإهاب الجمالي الرفيع والمضمون الإنساني وبين الثقافة الرعاعية.

فالفن التشكيلي الرفيع يواجه اللوحات الجدارية لإنجازات “القائد”، والنحّات المبدع يواجه تماثيل “القادة” التي ملأت الساحات، والفكر الفلسفي الكوني يواجه لغو الدعاة والخطباء.

في المعركة الثقافية كان الأفراد المبدعون يخوضون معاركهم بانتصار فردي، لأن أحداً لا يستطيع أن يسيطر على قلم المبدع وريشته، في مقابل انتصار ثقافة الرعاع في السوق.

أجل لقد تقلصت حدود المتعة الروحية الجمالية والفكرية- الفلسفية التي تسمو بالإنسان وتخلق لديه الحس بقيمة الإنسان.

وصار عدد دور النشر التي تحمل هماً ثقافياً رفيعاً أقل من عدد أصابع الكف، وفرض السوق على أكثرها الهروب من نشر الشعر والفلسفة أهم معياريين لثقافة العقل. وراحت تبحث عن كتب الإثارة.


دعاة رعاعيون


في إطار كهذا من هجوم ثقافة الرعاع راحت جماعات كثيرة من السكان تعود إلى إرثها الثقافي الديني، بدأ الدعاة الرعاعيون يشوهون أسسه الأخلاقية. وراح الدعاة يستحضرون من التاريخ الثقافي الديني كل ما يسيء إلى المرأة والحياة الاجتماعية والروحية.

لقد انحصر خطاب الدعاة الرعاعيين في المرأة بوصفها عورة العورات وفي الخمر والعقاب والقصص الساذجة.

ففي الوقت الذي استعاد فيه خطاب الداعية الشيعي الرعاعي قصص الثأر ومقتل الحسين وعصمة آل البيت والمهدي الذي سينتقم من الخلفاء وآل أمية، وخرافات معجزات الأئمة، استعاد خطاب الداعية السني الرعاعي خطاب الجهاد والموت في سبيل الله ومقاومة الكافرين وقتلهم.

وهكذا اتحدت ثقافتان رعاعيتان في وجه ثقافة التغيير الديمقراطي والحرية، ثقافة السلطة الرعاعية العنفية وخدامها الفاشيين، وثقافة الأصولية المتطرفة وعنفها الهمجي البدائي

لقد انهزم إسلام الحداثة والتحرر، إسلام الأفغاني وعبده وعلي عبدالرزاق، إسلام الكواكبي والزهراوي وطاهر الجزائري وانتصر إسلام الرعاع إسلام ابن لادن والخميني، إسلام نصرالله والبغدادي.

لقد أدت الثقافة الرعاعية إلى تحويل الانتماء الديني الطبيعي إلى موقف طائفي، وجُعل القتل عند التنظيمات الرعاعية العنفية أداة لتحقيق ما لا يمكن أن يتحقق في التاريخ.

بل إن الثقافة الرعاعية التي عممها النظام الحاكم أدت إلى نشوء الوعي الديني الرعاعي.

وفي ثقافة رعاعية كهذه تزول الاختلافات بين الرعاعيين المتعلمين وغير المتعلمين، حتى لا تميز بين أكاديمي رعاعي وجاهل لم يدخل المدرسة.

لقد طال خطر الثقافة الرعاعية الدين الشعبي الخالي من أي تعصب والعاصم من الأخطاء بحق الإنسان.


انسداد الأفق


ومع تزايد عدد العاطلين عن العمل، وانسداد آفاق المستقبل أمام عدد كبير من الجيل الشاب واستفحال الفساد، ونهب الخيرات والاستبداد، وجد جزء من هؤلاء الشباب في الحركات الرعاعية الدينية ملاذاً خلاصياً دنيوياً ودينياً.

كان من الطبيعي أن ينتج القمع والفقر والفساد الشعور بالقهر، وينمي غريزة الانتقام لدى الكائن المعذب والمقهور. وفي غياب ثقافة سياسية ومدنية بسبب منعها من جانب السلطة وجد جزء من المقهورين في الخطاب الأصولي الرعاعي ضالتهم المنشودة والوحيدة.

وهكذا اتحدت ثقافتان رعاعيتان في وجه ثقافة التغيير الديمقراطي والحرية، ثقافة السلطة الرعاعية العنفية وخدّامها الفاشيين، وثقافة الأصولية المتطرفة وعنفها الهمجي البدائي.

والحق أن الروائي والشاعر والممثل والمخرج والفنان التشكيلي والمفكر والفيلسوف وكاتب المقال والصحفي والمؤرخ والموسيقي والمغني والناقد والعالم كل هؤلاء الحاملين هَمّ الحرية والإنسان والديمقراطية وحب الحياة، يجب أن يكونوا اليوم، أكثر من أي يوم مضى، فاعلين في إنتاج ثقافة ترتقي بالوعي والسلوك والعواطف النبيلة فهم روح المقاومة الثقافية ضد ثقافة الرعاع المدمرة وضد متقيئيها ولاحسيها.

11