ثقافة الرعب والعنف

الأربعاء 2016/04/06

مجتمعاتنا العربية متهمة من جانب الغربيين باعتناق الخرافات والترويج للأساطير الغريبة، دليلهم على ذلك أن هناك الكثير ممن يمارسون السحر وطرد الأرواح الشريرة وطقوس منع الحسد وجلب السعادة وغير ذلك!

ولا شك في وجود الكثيرين ممن يمارسون الشعوذة والدجل، ويزعمون معرفة الغيب، وهي مهنة موجودة طالما وجد “الزبائن”، أي من يشترون الشعوذة ويتعاملون مع المنجمين والعرافين بجدية، ويرتبون حياتهم طبقا لما يسمعونه منهم، بل ويدفعون لهم الملايين.

ولا يجد هؤلاء “القابضون” باسم قراءة النجوم والطالع، غضاضة في ادعاء العلم والمعرفة بالغيب، بينما العقيدة الراسخة بيننا جميعا أن الله وحده (سبحانه وتعالى)، علام الغيوب، لكن من قال إن العرب في هذا كله فريدون متفردون؟

في بريطانيا، بلد العلم الحديث، يوجد أكبر عدد في العالم من الجمعيات التي تمارس تحضير الأرواح، بل والسحر الذي يقسمونه إلى سحر أبيض وسحر أسود. وبين الحين والآخر، تنفجر فضيحة هنا أو هناك تتعلق بنشاط هذه الجمعيات واستغلالها البشع للأطفال، وقيامها بتقديم القرابين الحية منهم، مع ما يقترن بذلك من سفك للدماء، إضافة إلى نشاطات جنسية شاذة ومريضة.

وفي الولايات المتحدة، معقل الفلسفة الوضعية النفعية، هناك الآلاف من جمعيات السحر والسحرة والتنجيم والمنجمين، ومنها جمعيات جهنمية تحت أرضية تمارس العمل سرا، بعيدا عن عيون السلطات، بغرض تجميع الأنصار وإخضاعهم لطقوس غريبة تصل إلى حد مدهش في دمويتها تقربا من الشيطان.

ولعل أمر هذه المنظمات لم يخرج إلى العلن ولم يذع صيته في العالم بأسره، إلاّ مع قضية مقتل الممثلة شارون تيت عام 1968 على أيدي عصابة تشارلز مانسون الذي لا يزال يقضي عقوبة بالسجن مدى الحياة. وتحتوي ملفات المباحث الفيدرالية الأميركية على عشرات الآلاف من الصفحات التي تصف بدقة نشاط هذه الجماعات وأفكارها ونوعية أعضائها.

ويصل عدد الكتب التي تصدر في الغرب سنويا حول الظواهر والقوى الماورائية الغريبة إلى الآلاف من العناوين التي تطبع منها الملايين من النسخ، وتوزع على نطاق واسع. وبعضها كتب خيالية، من القصص والروايات المصنوعة بغرض الإدهاش والتسلية، وجذب القراء وشدهم إلى عالم آخر بعيد عن عالم الواقع، ولكن منها كتب تدعي العلمية وتحليل الظواهر الخارقة ولفت أنظار قرائها إلى أهمية فهم دوافع تلك القوى المجهولة والاستجابة لمطالبها أو مقاومتها.

ولا يتوقف الأمر عند الكتب والمجلات المتخصصة التي توزع على أعضاء تلك الجماعات السرية النشيطة في مجال ما يسمى بـ”الروحانيات”، والمقصود الاتصال مع الأرواح والقوى المجهولة، فهناك أيضا العشرات من المسلسلات والبرامج في الراديو والتليفزيون، خاصة في المحطات الخاصة الصغيرة التي تنتشر انتشارا هائلا في المدن الصغرى والقرى في القارتين الأوروبية والأميركية، من روايات الرعب المشهورة عن دراكولا وفرانكنشتاين والرجل الذئب والقط الأسود إلى الذبابة الكبيرة القاتلة وفريدي ذي الوجه المحترق الشبيه بالبيتزا، والضباب الذي يخفي في طياته قتلة متوحشين قادمين من تحت الأرض.. وغير ذلك. استمدت السينما الأميركية والبريطانية الكثير من الأفلام التي يسمح بعرض معظمها لمن هم دون السادسة عشرة، باعتبار أنها من أفلام التسلية.

مجتمعات تعيش على الخرافة وتعشش الوحوش الدموية القاتلة في أدمغة أبنائها، وتكون جانبا كبيرا من خيال الناس فيها، لا شك أنها مجتمعات تواجه أزمة من نوع خطير، ترتبط بفراغ روحي هائل يدفع إلى البحث عن بدائل شديدة التطرف، شديدة العنف. ففي مجتمع يتغنى بالعنف ويتعيّش عليه ويروج له في كل وسائل الإعلام، بل ويمارسه في الواقع، يصبح من الطبيعي أن ينشأ فيه عنف مضاد أكثر دموية، لأنه لا يستند إلى أساس نفعي أو اقتصادي، بل إلى عقائد موغلة في عدائها وازدرائها للإنسان وتمجيدها لقوى أخرى شيطانية.

وربما تكون هذه الثقافة وراء انضمام أعداد متزايدة من الشباب الأوروبي (الأصلي وليس المهاجر)، إلى تنظيمات دموية مثل “داعش” لممارسة القتل العشوائي الذي لا هدف له سوى ترويع الآمنين.

ناقد سينمائي مصري مقيم في لندن

16