ثقافة السؤال ومهد المعنى

الأحد 2017/01/29

يبدأ السؤال حين تكون هناك حاجة إلى إجابةٍ محددة.. وتنبثق الحاجة إلى الإجابة حين تكون هناك رؤيةٌ ضبابيةٌ لحالةٍ معينةٍ لم تثبت رؤيتها.. وتتحدّد الرؤية حين تكون هناك حاجةٌ إلى التقدّم خطوةً إلى الأمام وتجاوز محنة التوقف أمام مسؤولية السؤال حين يطرح.. ولا حركةٌ متقدمة في الوعي دون أن يسبق تشكيلها وتكوينها وانبثاقها ورؤيتها سؤالٌ كبيرٌ يفرض حاجته إلى تدوين مسؤوليةٍ جديدةٍ في الحياة.. ولأن الثقافة هي مهد السؤال وهي المحرّك الباحث عن الإجابة وهي المدوّن للحالتين السؤال والإجابة وهي المقوّم لمعنى السؤال والاستجابة الواعية للإجابة ورسم قوامها لتكون مقبولةً ومتقبلةً وقادرةً على الاستمرار في مقبوليتها وثباتها أمام حالات التشكيك التي تقابلها في القوة وتعاكسها في الاتجاه، وهو أمر طبيعي في خضم الواقع الذي يعيشه الإنسان مهما كان جنسه وفي أي بلد يكون وداخل أيّ صيرورة.

وهو ما يجعل بقاء الإجابة مناطاً بأهمية السؤال ومهمته وكاريزما الذي يطرحه ويسجل إجابته لكي يكون قادراً على إقناع الآخرين من أن سؤاله لا يبحث عن ردة فعلٍ تجاه جهلٍ لواقعٍ، بل يبحث عن إقناعٍ لتجاوز الجهل من جهةٍ وبناء مساحة من الوعي التي تحرّك الحياة وتديمها في جانبها الثقافي.. ولذا يبقى السؤال يشبه الغابة تارة وفأس الحطاب وشبكة الصياد تارة أخرى.. لأن من خلاله تتمّ صناعة الأجوبة التي تحتاجها الحياة.. الغابة بوصفها الحياة السامقة التي تتداخل فيها متناقضات الوجود جميعها بلا استثناء والتي يمكن أن تجعل الفكر خائفاً حتى في طرح سؤاله لأن الغابة ليست خضراء دائمة بل فيها وحوش تحتاج إلى شبكة الصياد مثلما تحتاج إلى فأس الحطاب لكي تولد الحركة والنماء من جديد.. ولهذا لا يبدو هناك معنىً للجواب بدون معنىً للسؤال الباث القادر على لملمة متناقضات ثقافة لإدراج وعيٍ قادرٍ على أن يكون واحداً في الاتجاه.. مثلما لا يكون هناك معنى للسؤال بدون قدرته على إيجاد إجابةٍ قادرةٍ على جعل قوامه منسقاً ومقبولاً ومدهشاً في الوقت نفسه.

ونحن قد عرفنا في الحياة المدرسية إن معرفة السؤال نصف الجواب، وهو ما يعني أهمية السؤال التي لا تأتي بدون إدراك ثقافي وهذا الإدراك لا يأتي إلا بوجود مثقّفٍ قادرٍ على طرح السؤال وإيجاد الجواب ولا يكون المثقف فاعلاً إلّا بوجود حاضنةٍ قابلةٍ لفسح المجال على الأقل لكي يكون سؤاله له القدرة على التأثير في لحظة الانتباه وأن يكون جوابه مدهشاً قابلاً للتأثير في المحيط والحاضنة ولا تكون هذه الحاضنة قادرةً على استلهام الثقافة والتأثر بها والعمل بموجب ما يمكن أن تجعله من الأهمية بمكان أن يكون الضوء الذي يخرق الظلام الذي تعيش فيه الحاضنة التي هي بالضرورة لا يمكن أن تكون متأثرة إذا ما غاب الدعم الأعلى للسماح للحاضنة أن تكون مستمعة للسؤال ومصغية للإجابة.

والسؤال قد يأتي استفهاماً وقد يأتي استعلاماً مثلما قد يأتي استفساراً ولأن السؤال كفعلٍ جاء من سأَلَ يَسأَل، اسْأَلْ/سَلْ فمفعوله مسؤول وهو هنا له من الأهمية ما يمكن أن يكون مسؤولاً عن تغيير واقعٍ إذا ما كانت الإجابة وافيةً وشاملةً وتحمل حتى إدهاش السؤال وقاطعٌ وشافٍ ليكون مؤثراً.. إن السؤال هو أن يحمل الثقافة في روحه لأن طارحه جاء من هذه المنطقة العقلية القادرة على البناء والتأثير وهي، أي الثقافة، قادرة على جعل الجواب مقبولاً ومدهشاً وجانياً لنتاج لما بعد ما ينتظر تأثيره ولما بعد لحظة اكتشاف الإجابة، فإن كان السؤال لا يحمل الثقافة في روحه فلا إجابة واعية وقادرة على التأثير لأنها إجابة أغبياء.

كاتب من العراق

15