ثقافة السوريين في السنة الأكثر دموية قلب يعاود الخفقان

الجمعة 2014/12/19
لوحة "القديس مار يوحنا مسجى في جامع الحسن بحي الميدان بدمشق" للفنان يوسف عبدلكي

دمشق - الكثيرون يعوّلون على الحروب والمآسي بوصفها مادة روائية دسمة، والكثير من الكتّاب الذين ذاع صيتهم استخدموا الحروب والثورات ليشعّ نجمهم، فأميركا أنتجت إرنست هيمنغواي، وفرنسا أنتجت ألبير كامو، والتشيك أنتجت ميلان كونديرا، هذه التغيرات الكبرى تجعل فعل الكتابة يقف على المحك وتطرح تساؤلات عن ماهية هذا الفعل وحقيقته في ظلّ الأحداث الراهنة، فالشعر فعل (لا اقتصادي) على حد تعبير والس فاولي -يمكن سحب ذلك على الكتابة الإبداعية- وهذا يجعل الكتابة تقف أمام تساؤلات عن جدواها في ظل الأزمات والتغيرات الكبرىً.

سوريا اليوم تشهد (ثورة/حرب/تمرد/جهاد) حالة لا تعيين في المفاهيم تطرح متغيرات جديدة حول فعل الكتابة وأهميته في ظل الموت، هنا حوارات مع عدد ممن يمارسون فعل الكتابة داخل سوريا في سبيل فهم العلاقة بين الموت والكتابة والشباب الذي يحاول جعل صوته مسموعا.


تجاهل الموت


مناف زيتون كاتب سوري شاب نشر روايته الثانية هذا العام بعنوان “طائر الصدى” عن “دار نوفل-هاشيت أنطون” في بيروت، يناقش زيتون جدوى الكتابة في ظل الموت قائلاً: “الموت الآن لم يعد له ظل، الموت الآن يمر مرور الكرام، يترك القليل من الأثر ويعبر. الكتابة نشاطٌ لا بد من ممارسته، ربما تعطل أو زاد تعقيداً أو استعصى لفترة وجيزة من الزمن، فترة كانت كافية للاعتياد على الموت كتفصيل آخر من تفاصيل التغييرات الجذرية التي أصابت حياتنا، ولكنه بات ثابتاً الآن، ثابتاً بما يكفي لنشغل الموسيقى، نتجاهله، ونتابع الكتابة عن الأجساد ومشاكل الكوكب بأجمعه”.

الصحافة البديلة التي ينتجها السوريون من حصاد الثقافة وهي مرانٌ قاسٍ وغير محدود على الكتابة والتعبير والجودة

أما الكاتبة السورية الشابة “نغم حيدر” فقد صدر لها عن دار الآداب رواية “مرّة” ضمن محترف نجوى بركات فترى أن “الموت لا يمكن أن يسود وإيقاعه المتسارع وقباحته المباغِتة تجبرنا أن نكون بمستوى ضراوته وقسوته”. وتضيف: “نحن نحتضر وعلينا أن ندفع الموت عنا بشراسة، ليس بالضرورة أن تكون الحروب والويلات والمآسي التي تحدث الآن هي المادة التي نكتب عنها حتى نعتبر الكتابة أداة حياة، أي مشروعا أدبيا على مستوى مهما كان طرحه يصب في النهاية في خانة مواجهة الموت ومساءلته، والتعمّق في جدليته يمكن أن يُطرح بموضوعات أبسط مما نتصور، أصبح لدى الجميع حدث ما يكتب عنه، أو ألم مشترك يتمنى أن يقرأه عند أحدهم أيضاً، ستصمد الكتابة حتى في أصغر أشكالها”.

أما عن الحرب وأهميتها كمادة قد تصلح لحبكة أدبية فنرى أن كلا الكتابين قد ابتعدا عن ذلك، بل كانا شديدي البعد عما يدور في سوريا، فكلا الكاتبين الشابين لم يتناولا ما يدور في سوريا وخلقا عوالم خيالية أخرى لم تستغل ما يحدث في سوريا، إذ يقول زيتون: “الحرب في سوريا بحد ذاتها لا تحمل الكثير المميز في طياتها، راودني الاعتقاد بأنّها حدث فريد في البداية، فالحرب بحد ذاتها لا تقدم مادة خاما للكتابة، الأحداث التي تشهدها في الحرب، يشهدها الملايين غيرك سواء كانوا مواطنين عاديين أو كتابا أو مشاريع كتاب، إعادة كتابة الحدث لا تعدو كونها اجترارا للواقع لجذب القارئ غير المتمرس، كما هي حال الإعلام، الفائدة الوحيدة المرجوّة من الحرب هي الزوايا الجديدة كلياً التي تجبرك على رؤية الحياة منها”.

على النقيض ترى حيدر أن كل ما فعلته الحرب بنا هو مادة خام للرواية وتعقّب “في الحرب يمكن أن يحدث أي شيء، أي قصة قد نركّب أحداثها في خيالنا ونبتدع لها تفاصيل غريبة وشائكة سنفاجأ بأنها موجودة في الواقع حقاً، وربّما أكثر غرابةً مما كنا نتخيل، كل جزئية في هذه الحرب لها خصوصيتها وعالمها الذي يمكننا الكتابة عنه، أعتقد أن الحرب قدمت المادة الخام هذه للأجيال القادمة أيضاً على مدى السنين القادمة. فأثرها سيبقى من الصعب محوه لما بعد انتهائها بسنوات”.

زيتون يناقش جدوى الكتابة في ظل الموت


الكتابة والقمع


لا يبدو الحماس على الشباب في الداخل السوري للكتابة عما يدور في سوريا، ويعود ذلك على الأرجح إلى الخوف من البطش. في حين نرى كتّابا كخالد خليفة ونبيل الملحم تحدثوا عن القمع في سوريا والثورة التي تشهدها البلاد وربما تعود هذه (الحرية الأدبية) في التعبير إلى وجود نوع من الحذر تمارسه السلطة في سوريا بالتغاضي عمّا ينشره كتاب ذوو صيت واسع، أو ربما بسبب انشغالهم بأمور أهم من ملاحقة كتّاب الروايات.

من الممكن أن تكتب روايات عديدة وأنت في بلاد تشهد حرباً، لكن عملية النشر مرتبطة بجوانب تجارية وتسويقية بالإضافة إلى الجوانب الإبداعية، وهي مرحلة لاحقة لعملية الكتابة لا دخل للكاتب فيها، بل تقع المهمة على عاتق الناشر الذي لا بد له في مرحلة ما أن يفكر بعقلية تجارية، لكن لِمَ النشر في ظل بلاد تشهد ثورة وقتالا يوميا بين نظام إرهابي يقصف شعبه بالبراميل المتفجرة من طائرات دفعوا ثمنها بأنفسهم، وثائرين عليه يسميهم في بياناته الرسمية إرهابيين، لِمَ نشر الكتب الآن..؟ الناشر السوري (أحمد. م. أحمد) صاحب “دار أرواد للنشر والترجمة” يرى أن أي جهد إغاثي لهو أكثر جدوى من كل كتب الأرض، ويقول: “نظرتي إلى الأشياء عدمية وتشاؤمية للغاية، رغم ذلك أجد أن الكتابة أنقذتني من الموت كمداً أو ربما الانتحار في رحلة الموت السوري، فالكتابة غبطة في قلب أفئدة المفتونين بها، غبطة لا يراها ويشعر بها إلا من سُدت أمامه أسباب الطمأنينة في حدودها الدنيا، ثم وجد نفسه يتماثل للحياة بعد كتابة نص من الشغف. الكتابة علاج فردي ناجح ومن يستطيع الحفاظ على توازنه الفردي في هذه المقتلة، سأؤدي له انحناءة تحية وإجلال”.

أما عن اختياره للنشر الورقي والحفاظ على دار النشر في ظل انتشار وسائل النشر الإلكتروني فيرى أحمد “أهل الكتاب الورقي هم “جيل الحنين”، ناشرين وقرّاءً، وثمة منهم من لديه مكتبة إلكترونية يحتاج لأن يعيش أربعة أعمار لكي يفرغ من قراءتها.


إقرأ أيضا:



◄ هبة الكاتب



◄ ثقافة الموت في وضح النهار



◄ المثقف وتفكيك بنية العالم



◄ أسماء أدبية وفنية جديدة انتقلت من الهامش إلى المتن

14